النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

إسرائيل لا ترى في تركيا ضمانًا لأمنها

رابط مختصر
العدد 9802 الثلاثاء 9 فبراير 2016 الموافق 30 ربيع الثاني 1437

العلاقات بين الكيانات السياسية في حدود جغرافيتها مثل العلاقات بين الكيانات الأسرية في حدود بيوتها، والمثل الشائع، وهو مثل يحمل الكثير من الحكمة، يقول «الجار قبل الدار»، فالهواجس تتملك كل أسرة من الجار القريب أكثر بكثير من الأسر البعيدة عن محيط الجيران، وكذلك الحكومات تتوجس الحيطة والحذر من المحيط الإقليمي أكثر من الدول البعيدة عن محيطها الإقليمي.
فأمن أية دولة يعتمد أولاً، في سلم الاولويات، على طبيعة العلاقة بين تلك الدولة والدول المجاورة في محيطها الإقليمي، فكيف إذا كان هذا الأمن هو العنصر الأساس للمحافظة على الدولة بكامل كيانها ومكوناتها وهويتها بمعنى وجودها، وليست هناك دولة تعيش هاجس المحافظة على وجودها سوى دولة اسرائيل.
إسرائيل ومنذ تأسيسها وهي تعيش على صفيح ساخن والخوف هو سيد الموقف في كامل الكيان الاسرائيلي من حكومة وشعب، وهذه حالة لا تعيشها أية دولة في العالم سوى دولة إسرائيل، فارتباط الأمن بالوجود الكلي لإسرائيل هو رباط مقدس لا يمكن لإسرائيل أن تفرط فيه، وهي على أتم استعداد من أجل المحافظة على كيانها من المضي إلى أبعد من «علي وعلى أعدائي» مثلما شمشون الجبار الذي هدم القصر على نفسه وعلى أعدائه في لحظة انكساره أمام أعدائه.
دأبت هذه الدولة، التي شرعن وجودها عجينة من مصالح الدول الكبرى، ومنذ لحظة تأسيسها على تأمين وجودها وهي على علم اليقين أن المحيط الإقليمي، وهو بالكامل محيط عربي إسلامي لن يقبل بهذا الوجود الدخيل، فجيران السور بالسور أعداء بالكامل وشبه المطلق، حتى وإن اعترفت بها بعض الدول العربية وتبادلت معها السفراء، فهذا التطور لن يزيل هواجسها من التطورات اللاحقة التي تتحكم بها شعوب الدول العربية، فالهاجس الأساس ليس من الدول الملتزمة بقرارات الامم المتحدة ولكن الهاجس الأكبر من شعوب المحيط الإقليمي التي قد تقلب الطاولة على أصحابها.
تمكنت إسرائيل وبدعم نووي من أصحاب المصالح الدولية الكبرى أن تؤمن أمنها بالردع النووي، ولكن هذا العنصر من تأمين الأمن ليس كافياً كي يعيش الشعب في أمن العيش كبقية شعوب العالم، فهي في حاجة إلى طبعنة (جعله طبيعياً) وجودها في محيطها الإقليمي، وهذه الطبعنة تتمثل في دخولها في تحالفات استراتيجية مقررة مع حكومات من جيران إقليميين ومصدقة ومقبولة من قبل أغلبية شعوب تلك الدول.
ما وراء السور السوري تتربع الدولة التركية على رقعة من الجغرافيا جلها في آسيا وجزء منها في أوروبا، وتركيا دولة قوية وحليفة للغرب وهي عضو في حلف الناتو ويحسب لها ألف حساب في الدبلوماسية الدولية ومعارك لعبة الأمم، وهي ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للدول العربية والأوروبية، فكلمتها لها وزن على المستوى الإقليمي والدولي.
تركيا، نتيجة لحسابات خاصة بها، اعترفت بإسرائيل منذ نشأتها، وتطورت العلاقات بين تركيا واسرائيل على جميع الاصعدة والى مستويات التعاون الاستراتيجي، وكانت هذه العلاقة متنفسا نسبيا لدولة إسرائيل خاصة وأن تركيا دولة مسلمة يجمعها الدين مع الدول العربية، فهي أقرب الى العرب ثقافياً وروحياً من اسرائيل، وطبيعي أن هذا المشترك بين العرب وتركيا لم يكن في يوم من الايام محط اطمئنان لا للدولة ولا للشعب في اسرائيل، ففترة العلاقة شبه الحميمية كانت في ظل حكم العسكر.
مع التحول النوعي في طبيعة القيادة السياسية في تركيا من العسكر الى حزب مدني هو حزب التنمية والعدالة خبت أنوار الحميمية بين تركيا واسرائيل وخاصة بعد أن اختارت تركيا التوجه الى العالم العربي بعد التلكؤ المتواصل لقبول عضويتها في المنظومة الأوروبية، ووقوفها الحذر الى جانب القضية الفلسطينية مع شيء من قوة العلاقة مع سلطة حماس (إخوان المسلمين) في غزة، حتى أن تركيا اشترطت على إسرائيل أن تفك الحصار عن قطاع غزة من أجل إعادة العلاقات الطبيعية بينهما. من تداعيات هذا التوجه التركي الى المشترك الديني مع العرب خرجت التصريحات بين الدولتين عن لغتها الدبلوماسية وأخذ الطرفان يكيلان لبعضهما الادانات صراحة، فالقيادة التركية تصف القيادة الإسرائيلية بالكذب، وبالمقابل وفي أحدث تصريح لوزير الأمن الاسرائيلي، فإن هذا الوزير المسؤول عن الأمن الاسرائيلي يتهم تركيا بأنها تدعم منظمة داعش الإرهابية ماديا وبشريا وبأن تركيا تشتري النفط من داعش.
إسرائيل اليوم عبرت عن نقلة استراتيجية نوعية عندما مدت خيوطها الدبلوماسية لتقوية أواصر العلاقات مع اليونان وقبرص، أي على الطرف النقيض من تركيا. هذه الخطوة الإسرائيلية تستحث قراءات متعددة.
العلاقات التركية الإسرائيلية لها نكهة لاذعة لدى الجانب العربي، ونكهة محببة لدى الجانب الاسرائيلي، ولهذا السبب فإن لهذه العلاقات خصوصية تتجاوز مجمل العلاقات القائمة بين الدول، واسرائيل من جهتها بشكل خاص تحاول المحافظة على هذه العلاقات ولكن بشروطها المتعلقة بوجودها، فالخطوات المتبادلة بين الدولتين تفوح منها روائح سياسية متعددة، وكل محلل وقارئ يشم رائحة مختلفة.
 فالقراءة السياسية التي يراها الكاتب زهير أندراوس في الجريدة الالكترونية «رأي اليوم» هو «أن صناع القرار في تل أبيب، يعملون بدون كلل أو ملل على تخفيض (ثمن المصالحة) مع تركيا، بعد أن توصلوا إلى نتيجة بأنها تعاني من عزلة دولية - إقليمية، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط».  
هذه قراءة منطقية في حسابات المصالح التقليدية غير المرتبطة بمقتضيات «أمن الوجود»، ولكن مع إسرائيل فإن جميع علاقاتها الدولية مرتبطة بشكل أساس مع «أمن الوجود» الاسرائيلي. وبناء على هذه القاعدة الأمنية الاستثنائية فإن الخطوة الإسرائيلية هي أبعد بكثير عن هدف الضغط على تركيا او فقدان الثقة في الحصان التركي الذي أصبح معزولا إقليميا.
الخطوة الإسرائيلية هي نقلة نوعية في استراتيجية مواجهة الطوق العربي الذي لم تكتمل دائرة طوقه حول إسرائيل بحرياً، إسرائيل تعيش مأزقاً إقليمياً يتمثل في العداء العربي لها وهذا العداء بنى طوقاً يهدف الى خنقها، ولكن الطوق لم يكتمل جغرافيا من الجهة البحرية - البحر المتوسط - فالبحر على امتداد الحدود البحرية لإسرائيل مفتوح امام كامل أوروبا وبالأخص تلك الدول التي تدخل ضمن المنظومة الإقليمية المجاورة لإسرائيل، والتي يمكنها أن تخفف من أعباء الطوق البري، إن الخطوة الإسرائيلية تحمل دلالات متعددة، أولها وعلى رأسها هي استراتيجية تمييع الطوق العربي - البري، وتخطي العزلة الإقليمية إلى علاقات استراتيجية ضمن محيطها الإقليمي، وهكذا يمكن قراءة الخطوة الإسرائيلية في اتجاه اليونان وقبرص، وكلاهما في حالة أقرب ما يكون من الحرب الباردة مع تركيا، إن حجم الخطوة الاسرائيلة أكبر من أن يكون ضغطاً على تركيا لتأمين شروط أفضل في مسعى تركيا لإعادة العلاقات الطبيعية مع اسرائيل، ولكن هذه الخطوة الاسرائيلة قد تمثل ضغطاً على تركيا كمحصلة جانبية، وليس من الميسر التكهن بالخطوة التركية أمام هذه الخطوة الإسرائيلية، ولكن المهم هو قراءة الهدف الاستراتيجي الاسرائيلي بعيد المدى والذي يصب في اتجاه تمييع الطوق العربي - البري وضمانة علاقات استراتيجية مع الجوار الإقليمي غير العربي، وهكذا تكون اسرائيل قد أضعفت فاعلية الطوق العربي بدخولها في علاقات استراتيجية في محيطها الإقليمي، وأصبحت جارة مقبولة ومعترف بها رسمياً وشعبياً مع الجيران الذي يفصلهم السور البحري عن اسرائيل، والجارتان ليستا في حالة صراع ثقافي ولا تاريخي مع إسرائيل بل على النقيض فالمشترك الروحي - الثقافي يجمعهما في الكتاب المقدس المسيحي الذي يضم العهد القديم وهو الكتاب المقدس عند اليهود، وللعلم فإن الكتاب المقدس اليهودي يضم ثلاث مجموعات من الكتب، هي أسفار التوراة وأسفار الأنبياء وأسفار الكتب، وهذه كلها معتمدة ومقدسة لدى المسيحية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا