النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

درس من الفينيقيين

رابط مختصر
العدد 9799 السبت 6 فبراير 2016 الموافق 27 ربيع الثاني 1437

كان الموطن الأصلي للشعب الفينيقي هو دلمون القديمة وفقا لمؤرخين يونانيين كبار من بينهم هيرودوت وبليني وسترابو، لكن ضبابية التاريخ القديم تمنعنا من المعرفة على وجه اليقين مدى قرب هذين الشعبين، لكن أود أن أتكهن أن هناك بالفعل علاقات حميمة بين هاتين القوتين التجارييتن العظيمتين، وكل من الدلمونيين والفينيقيين تمتع بعلاقات تجارية ممتازة مع الامبراطوريات العظمى في ذلك الوقت مثل مصر وبلاد ما بين النهرين.
الفينيقيون، الذين كان موطنهم الأصلي مدن ساحل لبنان على البحر المتوسط، كانوا تجارا عظماء لأنهم امتلكوا عبقرية تسويق وترويج منتجاتهم، بما فيها خشب الأرز الشهير، ومن أجل الترويج لمنتجاتهم والدخول في صفقات تجارية، اخترع الفينيقيون الأبجدية، وهي الحروف التي أخذها اليونانيون عنهم وطورروها، فضلا عن كونها شكلت أساس كتابة اللغات العبرية والآرامية وبعد ذلك العربية.
ولأكثر من ألف سنة، ووصولا إلى قرابة العام 1500 قبل الميلاد، بقي الفينيقيون القوة التجارية المهيمنة في منطقة البحر الأبيض المتوسط وجزءاً كبيراً من العالم القديم، ولكنهم لم يحاولوا قط تحويل قوتهم الاقتصادية إلى هيمنة سياسية.
وخلافاً لغيرهم، لم يكن لدى الفينيقيين رغبة أو توجه للتوسع وإذلال الشعوب الأضعف منهم أو فرض معتقداتهم وطريقة عيشهم بالقوة، فقد كانوا حريصين على التعايش جنبا إلى جنب مع عدد كبير من الشعوب الأخرى التي سكنت المنطقة، وفيما كانت تزدهر امبراطوريات وتتلاشى، حافظ الفينيقيون على حضارتهم القائمة ببساطة على التجارة.
من القواعد الأساسية للتاجر الناجح تجنب أن يكون لديه أعداء، فالصراع يقلل من عدد من الأسواق التي يمكن القيام بأعمال تجارية فيها، ويضع عقبات على طول سكة النجاح التجاري ويقلل من العملاء المحتملين، ولقد أدرك الفينيقيون بعقلهم التجاري أن لديهم مصلحة كبيرة في الحفاظ على السلام، وضمان علاقات ودية مع جميع الجيران، وتشجيع الهدوء والاستقرار في المنطقة على أوسع نطاق.
لكن الأمم التي بنيت على الصراع تعمل بمنطق مختلف تماما، وهناك امبراطوريات تأسست على على الغزو والنهب وفرض الضرائب مما جعلها ثرية جدا. داعش مثلا أصبح أغنى منظمة إرهابية في التاريخ بعد اجتياحه المفاجئ للعديد من المدن والقرى في العراق وسوريا وقيامه بعمليات سطو على مئات ملايين الدولارات عن طريق سرقة جميع البنوك في هذه الأراضي.
وحتى لو قيض لداعش الاستمرار بالتوسع وتنمية ثرواته، فإنه من المستحيل استمرارية هذا التوسع إلى ما لا نهاية، وحتى بالنسبة لبناة الامبراطوريات العظيمة في التاريخ مثل الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ونابليون أصبحت امبراطورياتهم بسرعة محاطة بالأعداء الأقوياء بعد أن استنزفت ثرواتها في الصراع، فيما جاع شعبها الذي أنهكته الحروب المستمرة، وسرعان ما تنهار وتختفي هذه الإمبراطوريات عادة في وقت أسرع من ظهورها.
الإمبراطوريات التجارية مختلفة تماما، فهي لا تقوم على الهيمنة والقهر، وإنما على بناء علاقات مثمرة تعتمد فرصا متكافئة تعود بالفائدة على جميع الأطراف، وقد ازدهرت حضارة الفينيقيين لعدة قرون لأنهم لم يشكلوا تهديدا لأحد واستفاد الجميع من العلاقات الودية معهم.
كانت حضارة دلمون في ذروتها قبل ظهور الفينيقيين، أصبح «الدلمونيين» - إن صح التعبير - أثرياء باعتمادهم على التجارة البحرية وبنائهم علاقات صحية مع كل الإمبراطوريات الكبرى في جميع أنحاء المنطقة آنذاك، ولقد دفعت ثروات دلمون الطائلة ومكانتها الأسطورية بالبابليين والسومريين إلى تبني اعتقاد أسطوري بأن خلق العالم بدأ من أرض دلمون وبأنها أرض الخلود.
وخلال القرون الأولى من العصر الإسلامي، زادت ثروة البحرين دائما في أوقات السلم الإقليمي تزامنا مع ازدهار التجارة مع المراكز الكبرى مثل بغداد والقاهرة والهند والشرق الأقصى وأوروبا.
أنا لا أروي هنا حكايات من التاريخ لمجرد إثارة الفضول والحنين، وإنما لتأكيد أنه لمدة ستة آلاف سنة كانت أروع عصور الازدهار في البحرين هي تلك التي تتزامن مع السلام والهدوء الإقليمي، حيث تعززت مكانتها كمركز ربط بين الحضارات والأمم والإمبراطوريات والشعوب.
كما أن الازدهار الذي نعمت به بالبحرين في العقود الأخيرة بني على نجاح القطاع المصرفي والسياحة والتجارة الإقليمية، وهذا يؤشر على أن تعزيز ازدهار البحرين مستقبلا يعتمد بالضرورة على تعزيز الأمن والاستقرار، وتقوية القطاع الخاص، والنجاح في بيع الخدمات والمنتجات لدول مجلس التعاون الخليجي والعالم.
يحق لنا أن نفخر بتاريخنا التجاري عندما ننظر إلى مستقبلنا، وأن نستوحي من الدلمونيين القدماء والفينيقيين أهمية النظر بعيد المدى، ونسعى لبناء علاقات سليمة مع جيراننا والدول الكبرى في جميع أنحاء العالم، وبهذا يمكننا مرة أخرى جعل البحرين كبيرة ومزدهرة.
من خلال الفكر التجاري المبدع والمشاريع الرائدة نتمكن من تعزيز مكانة البحرين مرة أخرى كمركز تجاري رئيسي في هذه المنطقة من العالم، وأنا متأكد أنه يمكننا فعل ذلك، لأن التاريخ يبين لنا أننا حققنا هذا مرات عديدة من قبل وحظينا بالاستقرار والرفاهية والازدهار.

الرئيس التنفيذي لمجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا