النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

المطران والطريق إلى القداسة

رابط مختصر
العدد 9795 الثلاثاء 2 فبراير 2016 الموافق 23 ربيع الثاني 1438

القداسة! القداسة الحقة، قداسة الحب والحياة من الإنسان للإنسان، وليست تلك الأيقونية التقليدية التي يستحث أتباعها ومريدوها الخطى إلى الصنمية غير المقدسة والتي تخلق بينها وبين إنسان الحياة حاجزًا من أساطير الكذب والنفاق يؤدلجون ملوثاتها في «كلمة حق يراد بها باطل» وهي كلمة «قداسة»...، فليس أبشع جريمة من جريمة استلاب كلمة القداسة وتجريدها من طهارتها، وهم بهذه الجريمة إنما يمكنون تثبيت مصالحهم الدنيوية على أنقاض حقوق الآخرين وهم الكثرة الكثيرة من الفقراء والمعدمين، ويتربعون على لوثة عروشهم الدنيئة الفانية... فهل للقداسة الحقة، عبر مسارات التاريخ ودهاليزها، رواد وأئمة أطهار يعرفون الحق ويعطون الحق حقه، ويؤمنون بالعدل ويضعون العدل في ميزانه؟
سجلات التاريخ تنير لنا صفحات من رواد «القداسة الحقة» وأئمتها، ومنهم في هذا الزمان الذي نحن الأحياء شهود عليهم قداسة المطران غريغوار حداد، إمام «القداسة الحقة» في زماننا، هذا الإنسان العظيم بروحه التواقة لخدمة الإنسان وبالأخص الفقراء والمعوزون والمظلومون منهم، إمام في الإنسانية ومطران في الرتبة الكنسية، ولد في لبنان ولكنه اتخذ «أرض الله الواسعة» بجملة بشريتها وطنًا له وتلك البشرية إخوة له، وفتح عينيه على الحياة ليرى نفسه مسيحيًا كاثوليكيًا «دون خيار» حاله حال غيره في هذه الحياة التي تسلب الإنسان «حرية الخيار» في مبدأ أو منظومة فكرية يستخلصها من التفاعل الكيميائي في ذهنه وبفعل ذاته، وهذا الحال صار سنة ثابتة في الحياة، ولا ندري ما هي الصلاحية الزمنية لهذا الحال.
أما إمام الإنسانية المطران غريغوار حداد فقد تخطى أسوار تلك السنة الثابتة وخرج من صنمية الدين الى إنسانية الدين والفكر، ومزج الدين بالفكر والفكر بالدين، ومزج الحياة بالدين والدين بالحياة، وأعاد للدين بريقه الإنساني، وبنى «للقداسة الحقة» على الأرض ملجأ للحق والعدل لخدمة الإنسان.
سمي عند الولادة عام 1924 نخلة أمين حداد، فقد تدرج اسمه الاول من نخلة الى غريغوار، كذلك ارتفعت رتبته في بنية الرتب الكنسية المؤسساتية من مجرد مطران الى رتبة شرفتها أعماله الإنسانية وهي رتبة مطران الفقراء أي مطران الانسان، كان ما كان هذا الانسان، الانسان في تجرده المجرد من طبقة او عرق او لون او عقيدة او مذهب، وهكذا رتبة لا يتبوؤها سوى القلة النادرة من الاطهار، وليست هناك سلطة تحدد هذه الرتبة سوى كلمة، وهي كلمة الحق في الحياة، كلمة هي البداية: «في البدء كانت الكلمة...» وهذه الكلمة في بدايتها كانت إشراقة الحق، ذلك الحق المطلق الذي يدحض هياكل الحق النسبي المتموضعة في مؤسسات الانسان الحقوقية منها والقضائية، وتلك الموسومة بالمؤسسات الدينية التى انطفأ نور الدين فيها وتجذرت فيها المظهراتية والنفاقية الوقحة وطقوسية عبادة الأفراد وتقديسها...
... هذه الفضائل (الطريق الى القداسة) التي يتمتع بها المطران حداد تجعل منه إنسانا فوق مطرانيته الى رتبة الطهارة الكاملة وهي القدسية الحقيقية التي يتلمسها الانسان في الحياة على الأرض بعيدًا عن طلاسم الماورائيات والأوهام...
بلغ من العمر، وهو يجادل الذات في الثمانين، مكانة الحكمة ومن هذه الحكمة وهو يتربع على كرسي المطرانية المسيحية تكشفت له معاني الدين، وأن الدين للإنسان والحياة على الارض، فتمسك بالإنسان وثبت أقدامه على الأرض حتى يتمكن من رسم خارطة المحبة والسلام في الحياة ويشارك الإنسان، الإنسان في انسانيته وليس الانسان في تلاوين عقائده ومذاهبه، اندمج مع الانسان في حياة الانسان على الارض فشكل «تيار المجتمع المدني» مع مجموعة من المناضلين العلمانيين، فارتفع بهذا الجهد النضالي مع المناضلين من الأبراج العاجية المنغلقة في ذاتها الثيوقراطية الى فضاء الانسان والحياة في أصالتها الإنسانية، إنسانية الحق والعدل والكرامة، وأخوة الانسان للإنسان...
جهوده الاجتماعية ذات النزعة الانسانية المطلقة عديدة، فقد ابتدأ بتاسيس حركات مثل «التثقيف الذاتي»، «الحركة المسكونة للشبيبة»، «النادي الموحد»، «الحركة الاجتماعية اللبنانية» وكانت منظمة غير حكومية طوعية لا حزبية ولا عقائدية، وكانت تعمل على أسس دراسات وأبحاث في الحقول الاجتماعية، وكانت تسعى بشكل جوهري الى تحقيق العدالة الاجتماعية، كما أنه أسس مجلة «آفاق» لنشر مقالات لاهوتية وروحية، وقد سببت له مقالاته أزمة مع أحد كبار المطارنة في الكنيسة الكاثوليكية في لبنان فتقرر عزله، وكان قد اتهم بالكفر وتعرض للتجريح في شخصه ومواقفه، إلا أن تقرير الفاتيكان أقر ببراءته من كل انحراف لاهوتي نسب اليه. مقالاته كانت علمانية التوجه وكان من دعاة العلمانية رغم تبوئه رتبة المطرانية في الكنيسة الكاثوليكية، وكانت تلك المقالات ومواقفه العلمانية الصريحة سببا في تعرضه للاعتداء في 14 يونيو 2002 على يد شاب مسيحي متعصب أراد أن يعاقب المطران.
ومن صفاته الراقية ومواقفه العالية وغير التقليدية والتي تتخطى عرف الكنيسة أنه كان يرفض لقب السيد المطران أو الأب، لأنه كان يسترشد بجوهر قول المسيح «لا تدعوا لكم على الارض أحدًا سيدًا، ولا معلمًا ولا أبا، لأنكم كلكم أخوة»، وتخلى عن المظاهر الكهنوتية التقليدية التي كانت تكبل الطاقة الروحية في المسيحية، وما كان يتزين بصلبان من ذهب، بل حمل رسالة المسيح، صليب (معاناة) الإنسان الفقير والمحتاج والمريض والحزين... لم يجلس أو يدع إلى الموائد الغنية، ولم يداهن أصحاب الجاه والمال، بل أكل حاجته اليومية من أفقر الأنواع، وعاش عيشة الفقراء، تمثلا بقول المسيح «أعطنا خبزنا كفاف يومنا».
وزبدة فكره وما تبع ذلك من مواقف أنه كان يدعو إلى العلمانية ونبذ الطائفية بصريح العبارة وفاعلية العمل، وكان هذا التشبث بالعلمانية نابع من فهمه للمشروع الانساني على الارض، وهذا ما كانت قد وصلت إليه قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني الذي حمل عنوان انفتاح الكنيسة على العالم «كي نرى العالم كما هو، وكي يرانا العالم كما نحن» والدعوة الى مشاركة العلمانيين وقبولهم. (هذا الانعراج من الفاتيكان يستحق أن يحرر فيه مقال خاص).
هذا المطران الذي أخرج المطرانية المسيحية من كنيسة الطقوس الى كنيسة الانسان، خطت يده الصادقة عددا من الكتب هي لسان حاله في الدفاع عن الانسان برسم النهج العلماني والتقريب بين الأديان والمذاهب والعقائد غير الدينية، ومن أبرز هذه الكتب «العلمانية الشاملة» و«تحرير المسيح والانسان».
إلا أن روحه الطاهرة ليس باستطاعتها أن تخلد جسدًا على حاله، بينما كيمياء الطبيعة حكمت عليه الفصل عن الروح والتحول من حال الى حال، وهكذا كان القضاء الحتمي أن يغيب بجسده عن عالم الأحياء في 23 ديسمبر عام 2015، فسلم الروح بعد أن أدى واجبه الانساني الذي يشهد له كل من عرفه وعرف عنه وعرف منه، وسلم أمانته التي تسعي الى بناء عالم إنساني يعم فيه الحب والعدل والأخوة بين بني البشر.
رحم الله المطران المناضل، وليت بيوت العبادة والعقائد وصالات الفكر تولد أمثال هذا المناضل الكبير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا