النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

العلاقات الخليجية الأمريكية في مهب الريح (2)

رابط مختصر
العدد 9795 الثلاثاء 2 فبراير 2016 الموافق 23 ربيع الثاني 1438

اجتمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في الرياض بتاريخ (23 يناير 2016م)، وتم بحث آخر تطورات الأزمة السورية وانعكاسات دخول الاتفاق النووي المبرم في (يوليو 2015م) بين إيران ومجموعة (5+1) حيز التنفيذ في (16 يناير 2016م)،
وقد حاول الوزير الأمريكي طمأنة وزراء خارجية دول مجلس التعاون من النتائج المترتبة على رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران وانخراطها في المجتمع الدولي عندما أكد تفهم واشنطن لمخاوف دول الخليج من إيران عقب رفع العقوبات عنها، مجددا التزام بلاده بدعم شركائها في مجلس التعاون الخليجي ضد أي تهديد خارجي، وأنها ستتصدى للتصرفات الإيرانية المثيرة للقلق، وأن العلاقات السعودية الأمريكية علاقات قديمة ولن تتأثر بالاتفاق النووي مع طهران أو بأي أحداث تختلف حولها الرؤى بشكل أو بآخر.
وفي تقديري أن الفشل في وضع نهاية للصراع القائم في سوريا وما تم التوصل إليه من اتفاق مع إيران حول ملفها النووي دون الأخذ في عين الاعتبار وجهة نظر دول الخليج المعنية مباشرة بهذا الملف الحساس، يعود أساسا إلى عدم إشراك دول مجلس التعاون في المفاوضات الدائرة بين إيران ومجموعة (5+1)، حيث اكتفت الإدارة الأمريكية بتقديم تقرير مقتضب لسفراء دول المجلس في واشنطن أو خلال اجتماعات تعقد بين فترة وأخرى بمقر الأمانة العامة في الرياض مع السيدة ويندي تشرمان المسؤولة عن ملف المفاوضات الإيرانية دون الرد على الاستفسارات التي تثيرها الوفود الخليجية، خاصة وأن الولايات المتحدة كانت تصر دائما خلال هذه الاجتماعات على عدم الربط بين الملف النووي الإيراني والتدخل الإيراني الميداني المعلن بقوات الحرس الثوري وحزب الله على الأراضي السورية.
كما أنه من المعلوم أن العلاقات السعودية الأمريكية علاقات قوية جدا تقوم على تحالف استراتيجي صلب، إلا أن ما يجرى في البيت الأبيض يتناقض تماما مع توجه الخارجية الأمريكية، ففي الوقت الذي تؤكد فيه الخارجية على أهمية العلاقة الاستراتيجية الخليجية الأمريكية، نرى البيت الأبيض يضع في أولوياته قضايا (احترام مبادئ حقوق الإنسان، وحرية التعبير، والتعددية السياسية)، لذلك كانت موجة الربيع العربي التي بدأت في نهايات عام (2010م) ودمرت كيانات دول عربية مستقلة وأقامت أنظمة جديدة في تونس وليبيا تعاني من الفوضى والعنف والإرهاب حتى الآن، وأشعلت حروبًا وصراعات لم تزل مستمرة في اليمن وسوريا، وساعدت على انقضاض الإخوان المسلمين على الحكم في مصر وسرقة ثورة (25 يناير)، ولولا الموقف (السعودي الإماراتي البحريني) من تطورات الأحداث في مصر لعمت الفوضى كافة أنحاء الدول العربية التي أرادت لها الولايات المتحدة الأمريكة أن تعيش تجربة الحكم الديمقراطي الديني كنسخة طبق الأصل من النموذج التركي الإخواني.
ويبدو أن الأمريكان مستمرون في غلوائهم لتنفيذ رؤيتهم الجديدة للشرق الأوسط التي اتضحت جليًا من خلال ممارسات عملية واضحة قامت على:
أولاً: استغلال الإخوان المسلمين المعتدلين (كما تعتقد)، لتنفيذ أهدافها نحو التعددية والتقارب والانفتاح على الآخر.
ثانيًا: إعادة النظر في تحالفاتها الاستراتيجية في المنطقة بالاعتماد على حلفاء جدد كإيران ومصر بعد إنهاء حكم الرئيس مبارك ودعم حكم الاخوان المسلمين، والعمل على شق صف دول مجلس التعاون الذي كاد ان يتحقق بانهيار منظومة المجلس لولا المساعي الكويتية التي قادها سمو أمير دولة الكويت وانتهت باتفاق الرياض في (16 نوفمبر2014م) الذي أكد على تماسك دول مجلس التعاون امام المخاطر والتهديدات التى تعصف بالشرق الأوسط ودعم أمن واستقرار جمهورية مصر العربية ووقف الحملات الإعلامية الموجهة لنظام السيسي.
ثالثًا: دعم الأقليات في بعض الدول العربية على أسس مذهبية وعرقية وطائفية باللعب بورقة حقوق الإنسان، بهدف زعزعة استقرار ووحدة هذه الدول بما يؤدي إلى مواجهات عنيفة تنهار على إثرها أجهزة الدولة مما يسهل بالتالي على التغيير المنشود حسب خطط البيت الأبيض.
ونتيجة لكل ذلك فقدت الولايات المتحدة الأمريكية مصداقيتها في الشرق الأوسط، وتجاهل الرئيس باراك أوباما ومستشاري البيت الأبيض الشعوب الخليجية المتمسكة بأنظمتها وقياداتها، والمؤمنة بالمصير الخليجي المشترك، ووحدة الهدف والصف التي تجمعها أمام التحديات والمخاطر المحدقة بدول الخليج من كل جانب، والمدركة تمامًا بأن طريق الإصلاح والتعددية وإقامة دولة المؤسسات والقانون طريق طويل لا يمكن أن يأتي معلبًا من الخارج للخصوصية الشديدة لكل دولة على حدة.
ويبدو أن الرؤية الأمريكية الجديدة في المنطقة ساعدت على التشتت السياسي الذي تضاربت فيه اتجاهات دول الخليج سعيًا وراء مصالحها أو تعزيز وحماية كياناتها واستقلالها، لذلك على دول مجلس التعاون أن تدرك أن ضمان أمنها لا يمكن أن يتحقق بالولايات المتحدة الأمريكية وحدها، كونها جزء من المشكلة والتهديدات الخطيرة التي تواجهها، وليس انخفاض أسعار النفط إلى مستويات متدنية خطيرة إلا جزء من خطة أمريكية -في نظري- تستهدف إيجاد حالة من الركود الاقتصادي الخليجي، وبالتالي خلخلة دول المجلس بما يؤدي إلى إضعافها وتسهيل سقوطها داخليا، إلى جانب الخطط الأمريكية القائمة فعليًا في اليمن وسوريا من أجل استنزاف قدراتها في حروب وصراعات إقليمية بما يخدم مصالحها، وهذا الأمر الخطير يتطلب من دول مجلس التعاون الآتي:
(١) تحالفًا خليجيًا أوسع لدعم منظومة (مجلس التعاون) باستكمال المواطنة الخليجية، والاتفاق على قيام الاتحاد الخليجي الذي سوف يزيل الحواجز والحدود ويزيد من ترابط وتماسك المجتمع الخليجي الواحد.
(٢) الاتفاق على الحد الأدنى لتبني سياسة مشتركة هدفها مجتمع خليجي قائم على التعددية والديمقراطية وتعزيز احترام مبادئ حقوق الانسان ودولة المؤسسات واستقلال القضاء والعدالة والقانون ومرتكزات التسامح والتعايش الإنساني والانفتاح على الآخر وبناء ثقافة السلام بين الشعوب ونبذ العنف والكراهية والإرهاب.
(٣) تعزيز التعاون الاستراتيجي والأمني والعسكري مع دول مهمة كروسيا الاتحادية والصين والهند، وإقامة تحالفات معها تقوم على تنويع مصادر السلاح، لتقليل الاعتماد على استيراد السلاح الأمريكي الذي تتخذ منه الولايات المتحدة أداة للتدخل في الشؤون الداخلية وتنفيذ سياستها التي تعمل على هدم المنظومة الخليجية بإثارة النعرات الطائفية والمذهبية المستترة خلف تعزيز مبادئ حقوق الإنسان في دول المجلس.
ومن جانب آخر، على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد حساباتها وتقييم مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وعدم الاستمرار في محاولاتها إضعاف حلفائها التقليديين على حساب مصالحها الهادفة إلى خلق أجواء سياسية غير مستقرة بتأجيج الصراعات القائمة على المذهبية والطائفية كما هو قائم في العراق، وكما حاولت أن تقوم به في مملكة البحرين إبان وبعد أحداث (2011م)، لأن الاستمرار في هذا الاتجاه سيكون مهددًا ليس لأمن حلفائها في الخليج ومصر فقط، بل أن الأمن القومي الأمريكي -كما أعتقد- سيكون عرضة للتهديد من الجماعات الدينية المتطرفة.
* المحلل السياسي للشؤون
الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا