النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

الإعلام الاجتماعي.. انشر الآن وفكر لاحقًا!

رابط مختصر
العدد 9792 السبت 30 يناير 2016 الموافق 20 ربيع الثاني 1438

لاحظ الكاتب مارك توين ذات مرة أنه يمكن للكذبة أن تدور العالم قبل أن يكون لدى الحقيقة حتى فرصة ارتداء حذائها، هذه الملاحظة ظهرت بشكل أكثر وضوحًا في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.
طبيعة تلك الوسائل غير القابلة للتنبؤ أو الفحص المسبق خلقت بيئة تتطلب مستويات عالية من المسؤولية فيما يكتبه المستخدمون الأفراد، لكن لسوء الحظ هناك فروقات واسعة في الكيفية التي يمارس بها المستخدمون هذه المسؤولية.
هناك ميل فطري لدى معظم الناس تجاه الأفعال مع وترويج الأحداث السلبية، فعندما يقوم شخص ما بكتابة منشور إيجابي عبر تويتر مثلاً، يمكن أن نكون متأكدين بشكل شبه كامل أن هذا المنشور «التويت» سيقابل بالتجاهل، لكن إذا كتب نفس الشخص خبرًا سيئًا - يمكن أن يكون شيئا ليس ذي قيمة كأن يقول إنه اختلف مع جاره على موقف السيارة - فإننا نتوقع تفاعلاً كثيرًا معه.
في وسائل التواصل الاجتماعي لا نرى كثيرًا من تعليقات الدعم والتعاطف وتقديم المساعدة، وإنما يتفاعل الناس بشكل أكبر مع الأسف مع المنشورات التي تتحدث عن أشياء سلبية سيئة تحدث لأشخاص آخرين.
كما أن إمكانية انتحال أو إخفاء شخصية مستخدم تلك الوسائل تدفع كثيرًا من المستخدمين لإخراج أسوأ الصفات، فالعديد من حسابات وسائل الاعلام الاجتماعي مجهولة المصدر، أو تحمل أسماء وهمية أو مختلفة مثل «السهم الجارح» أو «بنت الديرة» أو «أهل الفريج»، وهو ما يشجع أصحابها على رمي الاتهامات والشتائم والإشاعات مجانا، وفي البحرين ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أو بآخر في تأجيج التوترات الطائفية التي شهدناها في السنوات الأخيرة، وشاهدنا ونشهد محاكمات لعدد من مستخدمي تلك الحسابات.
ويبقى الهدم دائمًا أسهل بكثير من البناء، ويمكن ممارسة السخرية والسلبية بسهولة، فيما تحتاج الحقيقة والإيجابية إلى شجاعة وشخصية قوية.
علاوة على ذلك، فإن وسائل الإعلام الاجتماعي أسهمت في نشر السطحية تجاه القضايا الشائكة المعقدة، وبات الناس يرونها بلونين فقط؛ هما أبيض أو أسود، وبسهولة يصفون كل مبادرة إيجابية بالغباء وقصر النظر دون أن يقدموا البديل. كما يمكن تمزيق كل تصريح إلى قطع، وتعريض صاحبه للسخرية. تويتر يأخذ هذه المشكلة إلى أقصى حد، لأن 140 حرفًا يعني أننا يمكن أن نتعامل فقط مع الشعارات والمانشيتات والشتائم.
من إيجابيات وسائل الاعلام الاجتماعي أنها تسمح للجميع بالمشاركة في النقاش، ولكنها في أكثر الأحيان تقضي على أي فرصة لإثارة نقاش حقيقي، وسرعان ما يتحول النقاش إلى رفع الشعارات وتبادل التهم والشتائم.
كشخص قادم من مجال الدعاية والإعلان والتسويق أنا لست ضد وسائل الإعلام الاجتماعي في حد ذاتها، فالإمكانات الهائلة لهذه الوسائل واضحة جدا بالنسبة لي. أنا أدعو فقط لاستخدام هذه الوسائل بالشكل الأمثل.
إن السخرية من كل شيء ورفض كل شيء لا يتطلب أي ذكاء أو جهد، ومن السهولة وصف كل شخصية عامة بالحمق، وكل برنامج تلفزيوني بالصبياني، وكل مبادرة للحكومة بالغبية، ومع ذلك، يزداد هذا التوجه السلبي انتشارًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي لحظات التفكير العميق نجد أننا مقصرون في الرد على هذه السلبية وهؤلاء السلبيين.
في عصر ما قبل الإعلام الاجتماعي، كنا نأخذ وقتنا ونراعي كثيرًا من الاعتبارات قبل أن نكتب أو نقول رأينا إزاء ظاهرة أو قضية ما، وكنا نخرج برأي متكامل قريب من الصواب، لكن وسائل الإعلام الاجتماعي تدفعنا للنشر بسرعة وعصبية تعكس إيقاع العصر السريع الذي نعيشه، ننشر دون أن نمنح أنفسنا فرصة تقييم آثار ما ننشره، يمكن مثلا أن أصدر حكما على فيلم اشاهده وأنقل انطباعي حول هذا الفيلم لعشرات الآلاف من متابعيّ على توتير حتى قبل أن يكتمل الفيلم وأرى نهايته.
لذلك أنا أناشد لتعميم الاستخدام الامثل لوسائل الإعلام الاجتماعي، وان امتلاكنا فرصة أن نكون أول من يعلق على قضية ما لا يعني أنه يجب علينا أن نعلق حتما.
جمال كتابة هذه المقالات في صحيفة الأيام هو أنه يمكنني أن أنضج وأرتب أفكاري في وقت الفراغ ثم أعود بعد 24 ساعة لمراجعتها: هل هي قوية بما يكفي؟ هل هناك خطورة في إساءة فهمها؟ هل استنتاجاتي عادلة حقا؟ حتى أنني أستطيع أن أشارك أقراني في مسودة أفكاري المكتوبة والتمس وجهات نظرهم قبل أن أصل إلى النسخة النهائية من المقال. هذه الآلية لا نجدها في الفيسبوك وتويتر، وهي آلية كانت في الماضي جزءًا ضروريًا من كتابة أفكارنا ونشرها للاطلاع عليها من قبل الآخرين.
أنا بكل تواضع أطلب من نفسي ومن الآخرين أنه عندما نقوم بنشر الأفكار على شبكة الإنترنت خلال الأيام القادمة أن نأخذ وقتا كافيا للنظر والتدقيق: هل ما ننشره قيم بالفعل ومبتكر ويحمل جديدًا؟ وهل يمكن أن أجعل المناقشة بناءة وأكثر إيجابية؟ وهل ستكون لدي نفس الأفكار والمواقف لمدة أسبوع؟ وهل استطيع قول موقفي بشكل علني؟
إذا استطعنا أخذ كل تلك الاعتبارات في الحسبان ستكون وسائل الاعلام الاجتماعي مكانا أكثر إيجابية وانتاجية وتستحق قضاء بعض الوقت في تصفحها.

 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا