النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

ابْنِ لك في كـــــــل بلـــــــد بيتاً

رابط مختصر
العدد 9789 الأربعاء 27 يناير 2016 الموافق 17 ربيع الثاني 1438

لم أكن افهم وأنا في ريعان الصبا ماذا كان يقصد الأجداد بعبارة «ابْنِ لك في كل بلد بيتاً»، وسألت جدي لأبى يرحمه لله محمد بن صالح الذوادي عن هذه العبارة، وكعادته يرحمه الله لم يجب على الفور، وإنما طلب منى إمعان الفكر، وشحذ الذاكرة، والاجتهاد للوصول الى هذا المفهوم، وحاولت جاهداً ووضعت أمامه خيارات كثيرة، وفى كل مرة أرى الابتسامة تعلو شفتيه، دون أن يخطأني أو يسخر من تفسيراتي، وفى كل مرة يقول«حاول يا بني، فالأحسن أن تتوصل أنت بنفسك لتفسير ذلك»، فقلت لجدي: «طالما سمعت هذا القول من الرجال الذين نجالسهم في المجالس أو المقاهي في فرجاننا، ولم يتبرع أحد منهم في تفسير هذا القول، ولا نحن قادنا الفضول للاستفسار والشرح، لأنهم كما يبدو يعرفون هذا القول جيداً فيما بينهم ولا يهم أن يعرف من حولهم ذلك، خصوصاً ونحن لازلنا في ريعان الصبا، وربما ظنوا أن هذا القول كبير علينا ولسنا في الوقت الراهن بحاجة إليه».
فأطرق جدي حينها وقال: «طالما أنك لم تتوصل الى تفسير هذا القول، فأقول لك» إن بناء المنازل بطبيعته فيه الأمن والاستقرار والدعة، والمرء في منزله أو بيته آمن على نفسه وأهله وعياله، وهو يشعر في داخل ذاته بالاطمئنان والله وحده يعلم بحاله وما يأكل وما يلبس وكيف هو يعيش؛ فقد كنا يا ولدي نعيش في «البرستيه»، «والكبر» «والعريش»ثم أفاء الله علينا فسكنا في الدور، وسورنا بيوتنا بالأحجار والفروش البحرية، ولكن بقي في نفوسنا وقلبنا حب الآخرين رغم تغيير المساكن، تواصلنا مع الأهل والأقارب في البحرين وخارجها، وتعاونا مع الجار وكانت بيوتنا متلاصقة، وأحياناً لا يفصلها عن بعضها سور، وكانت اللقمة بيننا نتقاسمها، وكان أولادنا أولادهم وعيالنا عيالهم، يدافعون عنا وندافع عنهم، نحتاجهم فيحتاجوننا، في غيبتنا يحمونا وفى غيبتهم نحميهم، وكنا عندما ننتقل من مكان الى آخر نجد من نلجأ اليهم داخل الوطن، فقد جمعنا البحر أيام الغوص والسفر، وجمعتنا شركة النفط بابكو عندما تدفق الزيت الاسود وعندما كنا نسافر الى دول الخليج العربي كنا نجد الأهل والأقارب والأصدقاء بل أكثر من ذلك يا ولدي، فعندما كنا نذهب الى مكة والمدينة للحج والعمرة نتعرف على أشخاص عرب وأجانب فتربطنا بهم معرفة فادخرناها ليوم قد تقودنا الأقدار لزيارتهم، فقد كان هذا المكان الطاهر مكة المكرمة والمدينة المنورة تبقى زيارتهما في نفوسنا ذكرى عزيزة خالدة لا تنسى.
وأطرق جدي ملياً، وساد الصمت ونظر الي ووجد الحيرة بادية على وجهي، وقد تملكني الإستغراب والحيرة وفى نفس الوقت الإعجاب والفخر، فقد كان ما قاله الجد كبيرًا على مثل سني ولكي يزيل عني اللبس والغموض قال لي جدي: «إنك يا بني لابد أن يكون لك في كل قرية أو مدينة في البحرين صديق أو معرفة أو صاحب فقد تحتاج له يوماً او يحتاج هو إليك فتتعاونان على مشاق الحياة وضيق العيش، واذا انتقلت من مكان الى آخر لا تشعر بالغربة، فالغربة «شينة»، واذا سافرت خارج البلاد لسبب او لآخر ولم يوجد لديك في هذا البلد قريب أو نسيب أو خال أو عم فقد تجد في بيت صديقك ومعارفك من يأويك ويخفف عنك وعثاء السفر. فلم نكن نعرف كما هو في زمانكم الفنادق والشقق، بل كنا نستضاف عند من نعرفهم وأقمنا معهم صداقة ومعرفة وهذا ما نعني به يا ولدى أن تبني لك في كل بلد بيتاً، «فبيت صديقك هو بيتك».
عندها أدركت عمق هذه العبارة وبلاغتها وأهدافها ومراميها وعادت بي الذكرى الى ايام الحد والجسرة، والبديع عندما كان بيت جدي او أبي لا يخلو من زيارات الأهل والأقارب والأصدقاء وأحسب ان أهل البحرين جميعاً مروا بنفس هذه الظروف والاوضاع ودليل ذلك أنه لم يكن يخلو بيت من بيوتنا من «المجلس» فهذا المجلس هو للزيارات القصيرة المؤقتة أو للزيارات الطويلة، وكانت المواقد لا تنطفئ ؛ فما تيسر يتم تقديمه للضيوف والكل كان يدرك قدرة المضيف ولكن القناعة والرضا كان شعارهم فتمسكوا به وبارك الله فيهم وفى معيشتهم.
هل نحن الآن نحرص في زماننا على الصديق، ونتمسك بمعرفة الآخرين ونبني في كل بلد بيتاً؟! آمل ذلك، فنحن في أشد الحاجة في هذا الزمان للناصر والمعين، ونحن في شوق للكلام الجميل والوجه الصبوح والابتسامة المشرقة والمنيرة للمحياء.
وعلى الخير والمحبة نلتقى..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا