النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

العلاقات الخليجية الأمريكية في مهب الريح

رابط مختصر
العدد 9788 الثلاثاء 26 يناير 2016 الموافق 16 ربيع الثاني 1438

مثيرة تلك الحلقة من برنامج (نقطة حوار) على قناة (BBC) البريطانية التي تناولت قلق المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون من دخول الاتفاق النووي المبرم في (يوليو 2015م) بين إيران ومجموعة (5+1) حيز التنفيذ يوم السبت (16 يناير 2016م)، حيث يلاحظ إصرار مقدم البرنامج على إثارة مجموعة من التساؤلات على المتابعين حول التأثيرات والانعكاسات المتوقعة لتنفيذ الاتفاق على العلاقات بين الجانبين في ظل قطع السعودية لعلاقاتها الدبلوماسية مع إيران بسبب اقتحام سفارتها وقنصليتها هناك، حيث إن أبرز ما سيترتب على تنفيذ الاتفاق:
ـ إنهاء تجميد الأصول الإيرانية المقدرة بحوالي (140 مليار دولار) من المصارف الأجنبية.
ـ السماح ببيع النفط الإيراني في الأسواق العالمية.
ـ السماح لإيران بتصدير واستيراد أسلحة مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية.
ـ فتح الأبواب للشركات الأمريكية والأوروبية للاستثمار في إيران.
إلا أن الأثر الأكبر الذي سينتج عن تنفيذ ذلك الاتفاق ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران هو حصولها على دور إقليمي يحقق لها السيطرة والتمدد والنفوذ والتأثير في توجيه القرار السياسي الخليجي، والذي وضعت أسسه وخططت له مسبقا وبدقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وحاولت في مملكة البحرين تحت أقنعة المظلومية واستغلال شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية التعبير، إلا أنها فشلت في تحقيق أحلامها الخبيثة أمام الإرادة الوطنية لشعب البحرين المتماسك في ظل قيادته الرشيدة.
وفي اعتقادي أن العلاقات غير المستقرة بين إيران ودول مجلس التعاون منذ نجاح الثورة الخمينية عام (1979م) وتبني الدستور الإيراني لمبدأ (تصدير الثورة) واعتماد (نظرية ولاية الفقيه) التي تعتبر نظرية متطورة في الفكر السياسي الشيعي أخرجت المذهب الشيعي من العزلة إلى إقامة دولة قوية، من الأسباب الرئيسة لانعدام الثقة وتدهور العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران، حيث شهدت أحداثا ومحاولات انقلابية وتدخلات فجة في الشؤون الداخلية، تؤكد جميعها على الصراع السياسي التاريخي القديم الذي كان وقوده اللعب على الوتر الطائفي والمذهبي، ومن أهم تلك الأحداث:
-الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث غداة الانسحاب البريطاني من الخليج العربي عام (1971م)، وعدم موافقة إيران على إحالة الموضوع إلى محكمة العدل الدولية أو إيجاد حل بالمفاوضات الثنائية، وهذا يثبت حقيقة الأطماع الإيرانية وسعيها نحو التمدد وبسط النفوذ.
-دعم المحاولات الانقلابية المتكررة في مملكة البحرين منذ (ديسمبر 1981م) وحتى (فبراير 2011م) والتي تهدف إلى إسقاط النظام الملكي الدستوري وتأسيس (الجمهورية) كنسخة طبق الأصل من نظام ولاية الفقيه في إيران، والحملات الإعلامية المركزة والشرسة المنطلقة من العشرات من الفضائيات الإيرانية أو التابعة لها في بعض العواصم العربية ضد البحرين والتي مازالت تدعم أعمال العنف والإرهاب وتشعل فتيل الطائفية بين أبناء الشعب البحريني الواحد.
-تسييس موسم الحج عن طريق التخطيط للحوادث الإرهابية والتخريبية وخلق الفوضى والاضطرابات بتحريض الحجاج الإيرانيين على مخالفة الأنظمة والقوانين وتعليمات السلامة التي تصدرها الجهات المختصة بتنظيم الحج، واستغلال هذا الموسم الديني العظيم ليخدم المصالح الإيرانية السياسية الخبيثة القائمة على أهداف الثورة الخمينية، والإضرار قدر الإمكان بالمملكة العربية السعودية والنيل من مكانتها الدولية والإقليمية، والعمل على بث الفتنة الطائفية والمظلومية السياسية بادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان من خلال نشر المعلومات المغلوطة والشائعات المدسوسة ضد السعودية عبر مختلف وسائل الإعلام العربية المأجورة وخاصة في لبنان وسوريا والعراق، وكذلك الترويج لكذبة (عدم كفاءة الحكومة السعودية في إدارة موسم الحج) والدعوة لتشكيل هيئة دولية إسلامية لإدارة الحج بهدف شق صف الأمة الإسلامية.
-ضبط ترسانة ضخمة من الأسلحة المهربة والمخزنة منذ أعوام وبشكل محكم في مزرعة ومنازل مملوكة لعناصر مرتبطة بخلية تابعة لحزب الله اللبناني الذي يعمل على تحقيق مصالح إيران والحرس الثوري الإيراني في قضية ما يعرف ب (خلية العبدلي) في دولة الكويت، وما يتم الكشف عنه باستمرار في مملكة البحرين من عمليات تهريب كميات من كبيرة من الأسلحة والمتفجرات من الأراضي الإيرانية باعتراف المتهمين.
لذلك فإن تعامل دول مجلس التعاون مع إيران بعد دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، يجب أن يتم وفق قواعد صارمة لحماية دول المجلس من الأطماع الإيرانية المثبتة على مر التاريخ، ويمكن تلخيصها في الأفكار والخطوات التالية:
أولا: رفع العقوبات الاقتصادية عن ايران هو فرصة (ذهبية) كما وصفها الرئيس الإيراني حسن روحاني، ومهمة جدا لتطوير الاقتصاد والتنمية وتحسين أوضاع الشعب الإيراني والقضاء على البطالة وفتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية، وكم أتمنى أن تكون هناك فعلا (فرصة ذهبية) جديدة بين دول مجلس التعاون وإيران تفتح أبوابا جديدة من الثقة القائمة على تبادل المصالح الاقتصادية والتجارية، وقواعد ثابتة وملزمة بحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ووقف أية توجهات أو خطط لتأجيج الصراع الطائفي انطلاقا من رسالة الرئيس روحاني إلى شعبه في مجلس الشورى حينما قال (نحن الإيرانيين مددنا اليد إلى العالم دليلا على السلام وتركنا خلفنا العداوات والريبة والمؤامرات وفتحنا صفحة جديدة في علاقات إيران بالعالم).
ثانيا: يعد حل قضية الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث بالمفاوضات الثنائية أو التوجه إلى محكمة العدل الدولية ركن أساسي لتأكيد حسن النوايا وفتح صفحة جديدة في العلاقات الخليجية الإيرانية وإقامة علاقات صداقة طبيعية.
ثالثا: على دول مجلس التعاون حسم قرارها في القمة الخليجية القادمة في مملكة البحرين (ديسمبر 2016م) بالإعلان عن قيام (الاتحاد الخليجي) بمن هو على استعداد للدخول فيه كونه يدعم قوة ومكانة دول مجلس التعاون أمام إيران والدول الكبرى ذات المصالح في المنطقة ويحمي أمنها واستقرارها وسيادتها، خصوصا بعد الاتفاق الذي تم في (قمة الرياض) في (ديسمبر 2015م) لاستكمال المواطنة الخليجية وإمكانية الاتفاق بين عدد من دول المجلس على أية إجراءات تكاملية تراها في إطار المجلس على أن تتبعها بقية الدول متى كان الوقت مناسبا، وهو ما يعتبر انجازا غير مسبوق في تاريخ المجلس سيدفع العمل الخليجي المشترك -بلا شك- إلى آفاق أوسع وأكثر فاعلية وانتاجا
رابعا: لن يكتمل أمن مجلس التعاون إلا بالأمن القومي العربي، الذي يتطلب أخذ العظة والعبرة من عاصفة الحزم التي أعادت للأمة العربية كرامتها وعزتها، ومن الأحداث الجسام التي مرت بها الدول العربية منذ عام (2011م) وما خلفته من تداعيات وتراكمات وتغييرات جذرية وصراعات لم تزل مستمرة، ولن يكون ذلك إلا بالعمل على تعزير دور الجامعة العربية وإعادة هيكلتها واحترام قراراتها ودعمها بالطاقات والخبرات العربية المشهود لها بالكفاءة للنهوض بالشعوب العربية إلى عالم يحترم التعددية السياسية والديمقراطية واحترام القانون والعدالة الاجتماعية واستقلال القضاء وحقوق الإنسان.
تلك كانت المنطلقات التي أراها للتعامل الصحيح مع إيران بعد رفع العقوبات عنها، كما أن التاريخ يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تربط علاقاتها الدولية بمصالحها، وتقوم بتغيير تحالفاتها مع تغير هذه المصالح، رغم رسائل الاطمئنان التي تحاول الإدارة الأمريكية بثها، خاصة بعد انتهاء الاجتماع الأخير بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزراء خارجية دول مجلس التعاون المنعقد في الرياض بتاريخ (23 يناير 2016م)، فالحقيقة تقول بأنه بعد أن كانت (الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر) في القاموس السياسي الإيراني، وهو الشعار الذي تشعل به جماهير الثورة في شوارع طهران، أصبحت (إيران) اليوم بالنسبة لها الحليف البديل لأصدقائها التاريخيين وركيزة الأمن والاستقرار التي تعتمد عليها في المنطقة، رغم تعارض ذلك تماما مع مبادئها وشروط الكونجرس الأمريكي الذي يشدد على أن تقوم العلاقات الأمريكية مع دول العالم على أولوية التعددية السياسية واحترام مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير التي تفتقر إليها إيران.
لذلك فإن أحلام دول مجلس التعاون في عودة العلاقات الخليجية الأمريكية إلى سابق عهدها في إدارة الرئيس أوباما -التي مازالت تقوم رؤيتها على حالة وتحقق أهداف الربيع العربي- أمر تجاوزه التاريخ، وهذا يتطلب من دول المجلس أن تضع هي الأخرى رؤية واقعية جديدة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة تقوم على أسس مصالحها أولا وأخيرا.
المحلل السياسي للشؤون الإقليمية
ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا