النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

بلجيـــــــــــكا

رابط مختصر
العدد 9781 الثلاثاء 19 يناير 2016 الموافق 9 ربيع الثاني 1437

لمملكة بلجيكا مكانة خاصة في نفسي، لا توجد لدى بعض الأصدقاء الذي جمعتني بهم الأيام في هذا البلد وبالذات عاصمتها بروكسل، ويعتبرونها عاصمة لا يمكن مقارنتها بلندن أو باريس أو فيينا أو غيرها من العواصم الأوروبية التاريخية، إلا أن حبى  لهذا البلد الصغير جغرافياً والقصير تاريخياً إن صح التعبير –مقارنةً مع بقية الدول الأوروبية- يعود إلى ما اكتسبته خلال سنوات عملي سفيراً لمجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل في الفترة (2002 – 2008م) من خبرة عملية وثروة عظيمة من علاقات الصداقة الواسعة والوثيقة مع كثير من رجالات السياسة والاقتصاد وأعضاء البرلمان ورجال الأعمال والأطباء وغيرهم، فعشت في هذا البلد حياة جميلة وسهلة، واستمتعت بكل ما فيها من أجواء رائعة، وتنوع ثقافي ولغوي وديموغرافي كبير، ومطاعم مشهورة وغير مشهورة منتشرة في كل زاوية من زواياها وتعدّ أحد أهم سمات شهرتها السياحية، إلى جانب متاحفها المختلفة التي وصلت إلى أكثر من عشرين متحفاً في العاصمة بروكسل وحدها.
كانت بلجيكا مستعمرة هولندية حتى أعلنت استقلالها وأصبحت مملكة دستورية عام (1831م)، لتدخل الحرب العالمية الأولى وتحتلها ألمانيا عام (1914م) ولمدة أربع سنوات، ثم أصبحت ميداناً للقتال في الحرب العالمية الثانية عندما اجتاحتها القوات الألمانية في (1940م) وتم تحريرها في (1944م)، وأصبحت عضواً مؤسساً للأمم المتحدة في (1945م)، واشتركت مع إحدى عشرة دولة في تشكيل منظمة حلف شمال الأطلسي في (1950م)، وأصبحت من الدول المؤسسة للمجموعة الأوروبية للفحم والصلب بموجب معاهدة باريس (1951م) والتي شكَّلت نواة لقيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ومن ثم إنشاء الاتحاد الأوروبي الذي بدأ عام (1951م) بست دول ليصل إلى (27) دولة عام (2007م) بما فيها دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي العاصمة البلجيكية (بروكسل) أو العاصمة الثلاثية كما يطلق عليها لأنها العاصمة الفيدرالية أولاً، وعاصمة الفلامندر ثانياً، والعاصمة السياسية للاتحاد الأوروبي ثالثاً، مقراً دائماً لأمانته العامة والمفوضية الأوروبية، لسببين هما:
1.رغبة الدول المؤسِّسة بأن يكون المقر السياسي للاتحاد في عاصمة ليس لها قوة سياسية مؤثرة على القرار الأوروبي السياسي والاقتصادي؛ لضمان حيادية القرارات التي تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الدول الأعضاء بغض النظر عن حجمها وعدد سكانها وتأثيرها ونفوذها وقوتها؛ لذلك أصبحت (بروكسل) مقراً للجنة الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الوزراء الأوروبي ومقراً لحلف شمال الأطلسي واتحاد أوروبا الغربية.
2. تحتفظ بلجيكا بعلاقات طيبة وليس لديها حساسيات تاريخية مع الكثير من الدول الأوروبية التي لم تتردَّد في نقل صلاحياتها القومية إليها، لأن من أهم مبادئ الاتحاد الأوروبي هو: نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية المركزية المحكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة إلى مقر الاتحاد.
لذلك فلقد كانت سنوات عملي في بروكسل ممتعة سياسياً وثقافياً، وكانت ولازلت لي  فيها علاقات إنسانية زاخرة بالعطاء والعمل والاتصالات اليومية مع مسؤولي المفوضية الأوروبية لاستكمال مسودة اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي، وكنتُ مشاركاً رئيساً فيها كرئيس للفريق التفاوضي البحريني في الفترة من (2000–2001م) ثم كسفير لمجلس التعاون في الاتحاد الأوروبي ومسؤول مسؤولية مباشرة عن هذه المفاوضات، وبذلت أقصى الجهود لاستكمالها قبل انتهاء فترة عملي، وكنت قاب قوسين أو أدنى لتحقيق ذلك إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فقد تبخرت أحلامي أدراج الرياح وتبدَّدت آمالي في حالة لا يمكن تسميتها إلا بالشد والجذب بين المتفاوضين الخليجيين والأوروبيين عند المبالغة في حماية المصالح، وعدتُ أدراجي إلى المنامة دون التوصل إلى ذلك الاتفاق الهام، والذي كان من أهم أهدافي عندما تسلَّمت عملي في مقر بعثة مجلس التعاون في (الأول من أبريل 2000م)، وقد أدى الفشل في تحقيقه الى تبعات وانعكاسات سلبية على العلاقات الجماعية بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي في عالم تحكمه المصالح التجارية والاقتصادية التي تميل - للاسف-لصالحهم.
الا أنني وخلال سنوات عملي الستّ ، كوَّنت شبكة واسعة وكبيرة من علاقات الصداقة القوية على كافة المستويات سواء في المفوضية الأوروبية أو في الخارجية البلجيكية أو في الأوساط التجارية والطبية ولذلك لم أنقطع عن زيارة بروكسل والتواصل مع اصدقائي حتى الآن. كما كانت فترة عملي في بروكسل فرصةً ذهبية لاكتساب الخبرة العميقة في التعامل مع (المفوضية الأوروبية) ذلك الجهاز التنفيذي الضخم المسؤول عن اقتراح القوانين والتشريعات وتطبيق القرارات والمعاهدات الصادرة عن الاتحاد، ولطالما تمنيت أن نصل إلى مستواه في مجلس التعاون خصوصاً في التحول إلى مرحلة متقدمة من العمل الجماعي الذي يحقق مزيداً من القوة والنفوذ والحماية من كافة التهديدات المحيطة بالمنطقة التي تشهد صراعات وحروب مدمرة تحاصر دول المجلس من الشمال والجنوب، مما يحتّم عليها الاندماج قدر الإمكان في كافة المجالات- عدا المجالات السيادية كالسياسة الخارجية والبترولية والقضاء والأمن -أما ما عداها من مجالات تمسّ مصلحة المواطن فهي من المفترض نقلها ضمن اختصاص وصلاحيات ومتابعة الأمانة العامة بما يحقق المساواة بين كافة الدول الأعضاء.
لقد قامت رؤية الاتحاد الأوروبي على نظرية بسيطة جداً وهي (تخلي دول الاتحاد -عند اتخاذهم للقرارات- عن سيطرة مصالحهم الذاتية والآنية والانطلاق إلى فضاء المصلحة العامة المستقبلية لدولهم ومواطنيهم)؛ لذلك فإن أي عمل خليجي لا يعتمد (مبدأ الإيثار) لتحقيق المصالح الكبرى؛ سوف يفشل في تحقيق المواطنة الخليجية الكاملة، وفي تعزيز الخطوات الوحدوية بين دول المجلس ومواطنيه والتي يلحقها بالتتابع (الاتحاد الخليجي) وهو الحلم الكبير الذي يتطلع المواطنون الخليجيون لتحقيقه.
إن صناعة المجد تتطلَّب اتخاذ قرارات فورية وحاسمة، وأعتقد أن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون يسيرون في الطريق الصحيح نحو تحقيق ذلك الهدف بعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على قيام المجلس، حيث تبلورت واتضحت معالم هذا الطريق في (قمة الرياض) التي عقدت في (9-10 ديسمبر 2015م) من خلال موافقتهم الجماعية على رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية لتعزيز التكامل بين دول المجلس والعمل الجماعي المشترك الذي ينصب في استكمال المواطنة الخليجية، والتي ستقود المجلس على خط الوصول إلى محطة (الاتحاد الخليجي) المنشود بعد أن تمَّت الموافقة الجماعية على (إمكانية الاتفاق بين عدد من دول المجلس على أية إجراءات تكاملية تراها في إطار المجلس على أن تتبعها بقية الدول متى ما كان الوقت مناسبا لها)، وهو ما يؤكد بأنه بعد (عاصفة الحزم والأمل) التي أعادت العزة والكرامة للإنسان العربي، تأتي (عاصفة التكامل والاتحاد) لتضع أسس بناء الاتحاد الخليجي الذي سوف يخلق على الصعيد الداخلي فضاء لا حدود له لتأسيس الوحدة النقدية المؤمل أن تدخل حيز التنفيذ بعد رؤية الملك سلمان، إلى جانب تحقيقه للتقدم الاقتصادي والاجتماعي والأمني والدفاعي والتنمية المتوازنة المستدامة لدول المجلس، وسيعزز سيادة واستقلال دول المجلس، وإعلاء مكانتها ودورها المحوري في القضايا الدولية والإقليمية؛ وهو الحصن الذي سوف تتحطَّم على أبوابه كافة التهديدات الإيرانية والغربية والأمريكية المحدقة بدول المجلس خاصة بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين ايران والدول الكبرى في منتصف العام الماضي والذي من أهم أهدافه منح إيران دوراً إقليمياً مؤثراً في منطقة الخليج العربي.
 المحلل السياسي
 للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا