النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

الإغراق في العلمانية المستفزة

رابط مختصر
العدد 9776 الخميس 14 يناير 2016 الموافق 4 ربيع الثاني 1437

ما الذي تبغيه مجلة «تشارلي إيبدو» من قرائها حول العالم؟ هل تسعى للضلال والتضليل، أم لنشر الإلحاد وإشاعة الكفر بين الناس؟
ربما تكون الأهداف الحقيقية لطغمة رساميها ومموليها وقارئيها الإغراق في العلمانية الجافة المسطحة، وبعيداً كل البعد عن المعنى الحقيقي للكلمة، فالعلمانية التنويرية لا ترفض الأديان ولا المعتقدات، ولا تزدري كل صاحب دين أو دعوة، وهي تعني لغويا التفكير في النسبي بما هو نسبي، بخلاف الدوغمائيات التي هي مطلقة.
لماذا يتجدد الحديث عن هذه المجلة الفرنسية المثيرة للقلاقل والاضطرابات؟
إنه بسبب عددها الأخير، الذي صدر وهو بمثابة ازدراء واضح وفاضح لفكرة الأديان، فقد رسمت كهلاً ممسكاً برشاش كلاشنكوف، ويداه ملوثتان بالدماء. ولعل الأكثر مرارة من الرسم، التعليق المذكور أسفله، حيث يشير إلى أنه وبعد مرور عام، المجرم لا يزال طليقاً.
قطعاً أن المجلة لا تعني القاتلين اللذين قتلا في صدام مع الشرطة، وإنما تعني من يروج للقتل بين الناس، ويحث أتباعه عليه، لا أريد أن أواصل الشرح فيما يخص هذا الرسم، ولكن المتأمل له سيعرف ما ترمي إليه هذه المجلة. الاعتراض هذه المرة كان أوروبياً أكثر من كونه عربياً أو إسلامياً، فقد جاء من أعلى المراتب الدينية، أي من خلال حاضرة الفاتيكان التي استهجنت عبر صوتها الرسمي جريدة «الأوبزرفاتور رومانو» ما نشرته «تشارلي إيبدو»، غير أن المثير أن تعليق صحيفة الفاتيكان الرسمية جاء ليدفع المرء إلى التفكير عمن يقف وراء مثل هذه المجلة، فقد كتبت أن هذا الموقف من الدين «ليس جديدا».. ماذا يعني ذلك؟
يدرك الفاتيكان أن فرنسا تحديداً كانت منذ زمن ثورتها منطلقاً لأعمال الجمعيات السرية، من النورانيين، والماسونيين، ومن كافة أصحاب المؤامرات الشريرة التي تعود إلى زمن وايزهاوبت والجنرال ألبرت بايك، أولئك الذين لم يكن لهم من مهمة سوى تنفيذ مخطط أمير العالم، والتعبير هنا للكاتب الكندي، ونائب وزير الدفاع في النصف الأول من القرن العشرين ويليام غاي كار، الذي يميط اللثام في سلسلة من كتبه عن الفعلة الحقيقيين، لحكام العالم الظلاميين، الذين يودون إزاحة الأديان من على طريق الحياة العامة، ليتمكنوا من تنفيذ مخططهم الأكثر شرا والأكثر إشاعة للمادية حول الكرة الأرضية.
يحتاج المشهد الفرنسي لقراءة متأنية، وبخاصة بعد احتدام الصراع في الفترة الأخيرة بين دعاة العلمانية المستفزة، وأصحاب علمانية التنوير الحقيقي.
غداة حادثة «تشارلي إيبدو» العام الفائت، التي تذرع أصحابها بحقيقة مرة، هي الرسومات القاتلة التي نشرتها المجلة عام 2006، تحدث بابا الفاتيكان عن الحدود الفاصلة بين التنوير والظلام، قائلا: إن لكل دين مهابته «وإن هناك» حدوداً، فإذا تحدث صديق قريب بالسوء عن أمي عليه أن يتوقع لكمة، وهذا أمر طبيعي، فأنت لا تستطيع استفزاز الآخرين، ولا تستطيع إهانة دينهم والسخرية منهم.
ما الذي تقوم به «تشارلي إيبدو» في واقع الأمر؟
قولا واحدا، إنها تتخفي وراء الرايات المضللة لعلمانية لا تهادن، وتنسى مرة أخرى ما يكرره قادة الأديان كافة بصورة متزايدة عن رفض العنف باسم الدين، وأن استخدام اسم الدين لتبرير الكراهية لا يتوافق مع الدين.
هل تزايد «تشارلي إيبدو» على نفر من العلمانيين الفرنسيين المستنيرين، الذين يعلمون تمام العلم حدود العلمانية الإيجابية، لا تلك المستفزة التي تستدعي الناس بعضهم ضد بعض؟
أحد أفضل العقول العلمانية الفرنسية، التي لا يمكن لأحد أن يزايد عليها، هو المفكر والمناضل الثوري ريجيس دوبريه، الذي يذكر في كتابه «الأنوار التي تعمي»، أننا «لا نريد علمانية عقلانية جافة مسطحة تستبعد الدين كليا، بحجة أنه ظلاميات، ولا نريد أصوليات متعصبة تكفر الآخرين وتدعو إلى ذبحهم».
هل تعيش فرنسا أزمة ما بعينها، تعبر «تشارلي إيبدو» عن صوت من أصواتها؟
يبدو أن الإغراق في العلمانية على هذا النحو المقيت رد فعل غير محسوب على أزمة البحث عن هوية فرنسا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
هذه الإشكالية رصدها المفكر الفرنسي الأشهر أوليفييه روا، في أحدث كتبه، «الإسلام والعلمانية»، إذ يشير إلى أن الأزمة الآن لا تتمحور في تحديد المعنى «الصحيح» للعلمانية، بقدر ما هو البحث في كيفية اكتسابها معنى في الداخل الفرنسي، ذلك أن أنصار العلمانية بعيدون عن تقاسم رؤية موحدة، والهوة عميقة بين الدعاة إلى علمانية منفتحة ومتواضعة، والمدافعين عن علمانية محددة كمشروع كلي.
لن تضيف «تشارلي إيبدو» بازدرائها للأديان لفرنسا إلا اختصاما من رصيدها المرتكز على فلسفة الأنوار وفكرة التقدم، والترويج لأنساق أخلاقية ونسانوية، ترفع من شأن البشرية، ولا تحجم أو تقزم من شأن الديني والإلهي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا