النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

نســـاء الألـــمان

رابط مختصر
العدد 9772 الأحد 10 يناير 2016 الموافق 30 ربيع الأول 1437

عندما تجوَّل الصحافي المصري أحمد قاسم جودة (1914 – 1965) في أرجاء ألمانيا ربما عام 1962، حيث رسم ملامح هذه الزيارة لاحقاً في كتابه «الناس والحياة في ألمانيا»، القاهرة 1963، كانت بعض جراح هذه الدولة طرية، واوروبا الجديدة في حالة اكتشاف الذات ولم الشتات، وبخاصة ألمانيا الجديدة التي اعتبر الجميع ميلادها بعد كل ذاك الدمار، معجزة سياسية بكل المقاييس.
وكانت ألمانيا يومذاك تحت إدارة وحكم أحد أكبر ساستها ومستشاريها بعد الحرب العالمية الثانية، الدكتور «كونراد أديناور» وكان الاسم الرسمي للبلاد «الجمهورية الاتحادية لألمانيا وبرلين»، بسكان لا يزيدون عن 54 مليوناً، حيث كان سور برلين العتيد قد اكتمل بناؤه قبل ذلك بعام في اغسطس 1961. وقف الصحافي «جودة» في برلين الغربية مع صديق ألماني أمام بوابة «براند نبرج» التاريخية، التي أصبحت من أكبر المعالم الفاصلة بين قطاعي الشرق والغرب في برلين. «فلما اتجهت لزيارة الشطر الشرقي من المدينة، بعد ظهر ذلك اليوم نفسه، اعتذر الصديق الألماني لعدم استطاعته مرافقتي، لا لأنه يكره النصف الآخر من عاصمة بلاده القديمة، بل لأنه يقيم في الشطر الغربي منها، وتقضي التعليمات التي تتمسك بها ألمانيا الشرقية والسلطات السوفيتية، بأن يدخل إلى الشطر الشرقي من المدينة أي إنسان من أنحاء العالم، بما في ذلك سكان ألمانيا الغربية، مع استثناء واحد هو ألا يكون من رعايا برلين الغربية»!
أول ما لفت نظر الزائر المصري بعد جملة زيارات لمدن ألمانيا الجو الغامر من الحركة والنشاط والبناء والتعمير والعمل والمرح رغم أن الشعب الذي حلت به الهزيمة في هاتين الحربين المدمرتين -الأولى والثانية- «كان خليقاً أن تدب فيه روح اليأس، وتسيطر عليه كآبة النفس، ويقضي السنين الطوال نادباً حظه.. ولكن ما هكذا الشعب الألماني الذي رأيته».
كان أديناور الذي توفى عام 1967 أقوى المستشارين الألمان منذ المستشار الحديدي «أوتوفون بيسمارك» موحد ألمانيا. وقد جعل أديناور الذي ضمد جراح ألمانيا الغائرة بعد الحرب وعاد بها إلى الحياة الدولية، من أهم أهداف حياته السياسية، «إزالة الجفوة الطويلة التي قامت منذ قرابة ألف عام بين العنصرين الجرماني والفرنسي، وهي جفوة أدت إلى ما يعرفه العالم من نشوب أكثر من حرب بين فرنسا وألمانيا. وقد نجح أديناور في تحقيق هذا الهدف الضخم، وبلغ نجاح أديناور قمته بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون في جميع الميادين بين فرنسا وألمانيا».
ولكن ما أن تعمقت الصداقة ووشائج الود بين ألمانيا وفرنسا، حتى اشتعل الخلاف الفرنسي البريطاني الأمريكي، حلفاء الحرب العالمية الثانية، اعتراض فرنسا على دخول بريطانيا السوق الأوروبية المشتركة، واعتراض «ديجول» رئيس فرنسا، على زعامة أمريكا وانفرادها بقيادة حلف الاطلسي، فأصر على ان تكون لفرنسا سياسة عسكرية مستقلة ورفض اشتراك فرنسا في قوة نووية أطلسية موحدة.
ذلك أن «ديجول كان يعتقد اعتقاداً لا يداخله شك أنه رسول العناية الإلهية في القرن العشرين لإنقاذ كرامة فرنسا وإعلاء مكانتها». ويبدي جودة استياءه من سلوك ديجول المتعالي هذا، وكان مثل هذا الانتقاد العلني في الإعلام العربي لديجول نادراً، فيقول:
«وديجول بهذا الإدراك، وبهذا الغرور العميق يتصرف في السياسة الدولية كأن بلاده لم تُسحق أمام جيوش ألمانيا في اسبوع أو اسبوعين، ولم تسترد حريتها وكيانها الحالي كإحدى الدول (الكبرى) إلا بانتصار الامريكيين والبريطانيين والسوفييت على القوات الهتلرية.
ما هؤلاء الانجليز؟ وما هؤلاء الروس؟ وما هؤلاء الأمريكيون؟
ما هم؟ ومن هم حتى يحسب لهم -ديجول- حساباً او يعير قراراتهم واتفاقاتهم سمعه، أو يعاملهم بأقل من هذا الاستعلاء».
ولكن ما أن «انشق» المعسكر الغربي بتمرد ديجول، حتى برز انشقاق مماثل في المعسكر الاشتراكي الشرقي، بتوالي الثورات في المجر وألمانيا الشرقية وتمرد رومانيا ويوغسلافيا والصين!.
ويفاجئ «جودة» القارئ برغبته في الحديث عن «أغلبية الشعب الألماني»، فمن هي هذه الأغلبية في مشاهداته؟ إنها المرأة الألمانية!
«فالمرأة هناك ليست نصف الأمة كما اعتدنا أن نعبَّر عنها في بلادنا، وكما هي الحال في معظم بلاد العالم، ولكنها كإحدى نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين كلفتا ألمانيا خسارة فادحة في الرجال، أصبحت تملك الأغلبية العددية الحقيقية بين أفراد الشعب، أي أن النساء يزدن على الرجال بأكثر من ثلاثة ملايين وثلث مليون امرأة».
وهكذا برزت المرأة الألمانية في كل الميادين، ولن تستطيع أن تذهب إلى أي مكان «دون أن تجد نفسك وجهاً لوجه أمام نشاط بارز للفتاة الألمانية وللمرأة الألمانية التي عركتها التجربة المرة، وأذاقتها ظروف الحرب وما بعد الحرب، طعم الحاجة القاسية إلى العمل».
ولاحظ الزائر أن المرأة الألمانية تعمل دون الاعتماد على الخادمات، «وقد قال لي أحد متوسطي الحال المضطرين للاستعانة بخادم في منزله، بأنها تتناول منه أجراً قدره أربعمائة مارك ألماني في الشهر، وتجلس معهم على المائدة لتناول طعامها، وتأخذ إجازة الويك إند».
ماذا عن الشخصية الألمانية؟
يعود «جودة» بالقارئ قرابة ألفي عام إلى الوراء فينقل عن أحد المؤرخين الرومان وصفه للقبائل الجرمانية في زمانه حيث يصفهم قائلاً: «إنهم لا يملكون القدرة على احتمال العمل الشاق أو الجهد المضني.. إنهم يمضون وقتاً قليلاً في الصيد، ولكنهم يمضون وقتاً أكثر في الخمول، مستسلمين للنوم والملذات.. إن جميع أبطالهم ومحاربيهم الاشاوس يضيعون وقتهم هباءً وعبثا، ويتركون العناية بالحقول للنساء».
ويقارن الزائر هذا الحديث بما يراه في ألمانيا عام 1962، ويقول: «إنني لم أرَ شيئاً أبعد عن ألمانيا وشعبها من هذه الصورة.. ولعله كان يتحدث عن احدى القبائل البدائية التي عرفها قبل الميلاد».
إن العمل دعامة حياة الفرد الألماني. وهو لا يتأفف ولا يستنكف من أداء اي عمل ما دام عملاً شريفاً. ولكن الألماني يحرص كذلك على الراحة! والألماني، في تقييم «جودة» في لهوه وفي جده، في بيته وفي مكان عمله إنسان «عاطفي رغم أقنعة الجمود والعنف والرزانة التي يضعها على وجهه أو تضعها ظروف حياته». وهذه ملاحظة تستوقف القارئ!.
لقد جعلت الأديبة الفرنسية «مدام دي ستايل» في مقدمة خصائص الألمان «متعة العمل ودقة التفكير»، وقارنت بين الفرنسي والألماني مقارنة طريفة فقالت: «إن الفرنسي يعرف كيف يتكلم ولو لم تكن لديه أدنى فكرة من الافكار.. بينما الألماني على العكس من ذلك: ففي ذهنه دائماً شيء أكثر مما يستطيع التعبير عنه!».
إن ألمانيا أكثر شعوب أوروبا في مجال الدراسات والبحوث الاسلامية والاسشتراق كما في علوم كثيرة أخرى. وكانت المستشرقة المعروفة «آن ماري شيمل» Schimmel، المتخصصة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية والديانات المقارنة، أول لقاء له في هذا المجال.. وأعجب بعلمها كثيراً!. كما جلس إلى اعلام آخرين في هذا المجال مثل «باريت» Parett، الذي كان يعد ترجمة للقرآن الكريم مصحوبة بتفسير وجيز، و«كلينجمولر» أحد المشاركين في «مؤتمر النظم القانونية المقارنة» في هامبورغ سنة 1962.
ومن ملاحظات «جودة» على مدينة «هامبورغ» ميناء ألمانيا الشهير، الواردة في الكتاب قوله، «أحب أن أنبه القراء إلى ما سمعته من أحد كبار الألمان الذين يدرسون العربية -وهو الدكتور جونتر فايس- إذ لفت نظري إلى أن كلمة (بورغ) هذه، إنما هي في الواقع كلمة (برج) العربية، بمعناها عند العرب الذين استقروا في اسبانيا نحو ثمانية قرون»!.
وقد تتنوع الاجتهادات في أصل أسماء المدن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا