النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

عن «الربيع العربي»

رابط مختصر
العدد 9771 السبت 9 يناير 2016 الموافق 29 ربيع الأول 1437

عند الحديث عن «الربيع العربي» تجدر الاشارة الى رؤية د. عبدالاله بلقزيز المنشورة في «الخليج» الاماراتية تحت عنوان قراءة في حصيلة «الربيع العربي».
كتب بلقزيز اذا كان لابد من جرد حساب لتقديم حصيلة موضوعية لماجرى ويجري، منذ انطلاق موجات ما سمي بـ«الربيع العربي» وللنتائج التي تمخضت عن «ثوراته» وانتفاضاته وحركاته الاجتماعية، فالموضوعية تقتضينا القول ان الحصيلة تلك لم تكن، في وجهتها العامة بمستوى توقعات الشعوب العربية وحركاتها الاجتماعية والشبابية الفاعلة التي صنعت حدث الانفجار العظيم!
فالفجوة - حسب وجهة نظره - التي كانت بين المقدمات والنتائج، وبين التوقعات والمكتسبات، كبيرة بل هائلة بحيث من المكابرة - أو سوء النية - انكارها. اما الزعم الدارج في بعض البيئات، بان من المبكر الحكم على ما جرى، وتقديم حصيلته، فينتمي - في احسن الظن به - الى ثقافة فقيرة الى قيمة الزمن، سادرة في غياهب انتظاريتها، فهل علينا ان ننتظر فناء جميلا بأكمله حتى يكون الحديث مشروعا؟ وهل في المشهد الكالح ما يُنمي الشعور الايجابي بان في جوف ما جرى مخبوءًا آخر غير الذي يفصح عن نفسه اليوم حتى نؤجل الكلام على حصيلة النتائج.
ومن هنا وبشكل عام يرى ان الحصيلة التي نحن امامها، خليط من ارباح وخسائر، لم يكن بعض ما جرى سيئا على وجه اليقين والقطع، لكن أكثر ما جرى ليس طيبا.
وهكذا فالموقف النقدي يتمثل في: ليس في نيتنا ان نركب، في عرض الحصيلة، مركبين محفوفين بالمخاطر: مركب التبجيل والتبرير، الذي يتراءى فيه لأصحابه مشهد «الربيع العربي»، مشهدًا وردياً تداخله بعض الحسرة من عدم اكتماله جراء ما عرض لمسيرته من اجهاض هنا وهناك، ومركب التخبيط والتأييس والتخذيل، الذي لا يرى اصحابه في مشهد «الربيع العربي» سوى مؤامرة خارجية مبيته، ضد الامة مجتمعات ودولا لتدميرها وتقسيمها مجددًا!
وبصدد النتائج يقول ثمة نتائج منظورة ونتائج بعيدة الأثر، واتباعا لذلك فان السلبيات المنظورة لماجرى يراها كالتالي:
أ - خروج قسم كبير من الاحتجاج الاجتماعي عن منطلقاته المدنية، ومساره السلمي، من طريق جنوحه للعمل المسلح، الامر الذي نقل بلدانا عربية من مشهد «الثورة» والتغيير السياسي الى مشهد الفتنة والحرب الاهلية، مثلما وفر للمداخلات الخارجية - السياسية والعسكرية - البوابات الضرورية للنفاذ الى الداخل المجتمعي، والنفوذ فيه، - وبالتالي - الى تركيب بطارية جداول اعمال اجنبية على جهاز الصراع الداخلي وتعليق أي تسوية في الداخل على تسويات في الاقاليم وفي العالم!
ب - الانتقال في بعض بلدان «الربيع العربي» من برنامج اسقاط النظام الى متاهات اسقاط الدولة وتدمير مقدراتها - مقدرات المجتمع - من موارد اقتصادية وعسكرية ومدنية (مستشفيات، مدارس، جامعات، مصانع، بنى تحتية، احياء سكنية.. الخ)، وكلما نيل من قوة الدولة ومن سلطانها عمت الفوضى. وانعدم الامن الاجتماعي، وتعطلت مرافق الانتاج والحياة، وضاقت مساحة المتعلمين في المدارس، وازداد اعداد اللاجئين الى الجوار والعالم والنازحين من ديارهم، وتكاثرت اعداد القتلى والجرحى من المدنيين!
ج - انحراف الصراع الداخلي عن خطة كصراع سياسي بين معارضة وسلطة الى صراع عصبوي طائفي ومذهبي وقبلي ومناطقي، يمزق النسيج المجتمعي ويزيد من تهميش الوحدة الوطنية وتفسيخها، ويضرب في الصميم الولاءات الوطنية الجامعة ليعلي الولاءات العصبوية الفرعية!
د - تغلغل قوى الارهاب في الداخل العربي من وراء حال الفوضى المعممة - التي نجمت عن انهيار الدولة أو تراجع قبضتها - وصيرتها لاعبًا كبيرًا في تقرير مصائر البلاد العربية. اما بالنسبة للنتائج السلبية البعيدة الاثر فتشمل الاثار العميقة لماجرى، وتبعاته النفسية الحادة على العلاقات بين الافراد والقوى والجماعات، داخل الجماعة الوطنية الواحدة بعد زوال هذه العاصفة الهوجاء. وتشمل ايضا الميراث الثقيل لتجهيل جيل بكامله حرمته الحروب من التعليم. وثالثتها المخاطر الدائمة التي ستظل تتولد من استغلال الدين في السياسة، وتزايد نفوذ قوى «الاسلام الحزبي» واتساع نطاق انتشار، أفكارها في البيئات الاجتماعية والشعبية المفقرة!
وفي مقابل ذلك تحدث بلقزيز عن ايجابيات «الربيع العربي» مختصرا النتائج المنظورة فيه في وجوه ثلاثة. أولها يقظة القوى الشبابية في الدول العربية، وازدياد فاعليتها على الرغم من عقود من سياسات التجهيل، والاستعباد، والتهميش، والاقصاء عن العمل العام. وثانيها طرح ممنوعات السياسة، في الحياة العامة العربية، مثل الاصلاح السياسي والدستوري، واعادة توزيع السلطة والثروة، ومكافحة الفساد ومحاكمة المتورطين فيه واصلاح أجهزة الامن والمطالبة باستقلالية القضاء.. على جدول اعمال انشغالات الرأي العام والحركات الاجتماعية. وثالثها ازاحة انظمة فاسدة من السلطة، وتحقيق بعض التقدم في بناء سلطة جديدة أكثر شرعية «في تونس ومصر» من سابقتها، وفي اعادة بناء المؤسسات بعد انهيارها.
والى جانب ذلك عرض نتائج ايجابية بعيدة الاثر وقد تثمر - لاحقًا - حقائق سياسية جديدة في غاية الاهمية اولها انهيار حاجز الخوف الذي كان حائلا دائما، امام مشاركة الناس في الحياة العامة، والمطالبة بحقوقهم، وثانيتهما أن وعيًا بأهمية الدولة للاجتماع الوطني تزايد في السنوات الاخيرة، ودل عليه ما بدأ واضحا من احترام رموزها ومؤسساتها «مثل الجيش والقضاء» من قبل قطاعات من الرأي العام الفاعل في قسم من البلاد العربية، بعد فترة كانت فيها تلك المؤسسات، اثناء الاحداث، موضع نقمة المتظاهرين، ولقد كان الشعور بفقدان الدولة، وحال الفراغ الذي انتعشت فيه الفوضى وانهار فيها الامن، باعثًا على اعادة الوعي لأهميتها ومن الامثلة على ذلك «ليبيا» وان اثار هذا المتغير الجديد سيكون ايجابيًا جدًا في المستقبل، وربما قد نبلغ المرحلة التي نعي فيها، فعلاً، الفارق بين الدولة والنظام السياسي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا