النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10846 الأربعاء 19 ديسمبر 2018 الموافق 12 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:57AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

«الطريق الصعب للإصلاح» للسفير الأمريكي الأسبق في البحرين

رابط مختصر
العدد 9767 الثلاثاء 5 يناير 2016 الموافق 25 ربيع الأول 1437

عندما يتحدث دبلوماسي وسياسي متمرس كالسفير الأمريكي السابق لدى مملكة البحرين للفترة من (2001م - 2004م) وهو (السيد رونالد نيومان) الذي عمل لسنوات طويلة في اليمن والإمارات العربية المتحدة وإيران والعراق، حول شؤون منطقة الخليج العربي، فإن ذلك يعكس - من الجانب الأول - اطلاعه الواسع بشؤونها وأسرارها والتحركات والتطورات السياسية والاقتصادية التى مرت بها، وخبرته العميقة التي مكنته علمياً وعملياً من تكوين رؤيته المهمة للتجربة الخليجية الفريدة والمجتمعات والنظم التقليدية القائمة بدول مجلس التعاون التي تقف صامدة أمام مد الثورة الخلاقة التي أشعلت فوضى لم تنتهِ حتى الآن في الشرق الأوسط من الجانب الثاني، وخبرته بمجريات الأحداث وانعكاساتها في كل من اليمن والعراق وإيران في هذه المنطقة الحيوية ذات الأهمية الاستراتيجية في العالم من الجانب الثالث.
لقد نشر السفير (رونالد نيومان) بتاريخ (18 ديسمبر 2015م) تحليلاً للأوضاع السياسية في مملكة البحرين على موقع (مجلس سياسات الشرق الأوسط) ونشرته صحيفة الوسط البحرينية في عددها الصادر بتاريخ (20 ديسمبر 2015م)، ومن خلال هذا المقال استعرض أهم ما ورد في تحليل السفير حول الوضع السياسي في البحرين بعد زيارته القصيرة للمملكة في (15 أكتوبر 2015م) التي أنهت فترة غيابه عنها دام نحو عامين:
أولاً: يقول السفير إن (البحرين اصبحت أكثر هدوءً مقارنة مع ما كان عليه الوضع قبل عامين)، وهذه الملاحظة تسجل شهادة بأن البحرين تنعم بالأمن والاستقرار مقارنة بالوضع الذي كانت عليه قبل عامين، وتؤكد أن الجهود المبذولة في إعادة اللحمة الوطنية والإجراءات المتخذة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار قد حققت نتائج إيجابية وملموسة نحو إعادة بناء الثقة في أوساط المجتمع البحريني الذي أدرك أهمية الالتفاف حول قيادته من أجل إبعاده عما يهدد كيانه وأمنه وسيادته الوطنية.
ثانياً: يؤكد السفير (.. وكانت الحكومة قد حثت جمعية الوفاق على المشاركة في الانتخابات، وحاولت قيادة الوفاق المساومة من أجل الحصول على تنازلات بحجة أن هذا أمر ضروري لإقناع مناصريها بالمشاركة، إلا أن الحكومة رفضت، ونتج عن ذلك مقاطعة الوفاق للانتخابات. ومع ذلك، كان الإقبال الانتخابي فوق 50%..)، وهذا يعطي الدليل القاطع بفشل سياسة جمعية الوفاق ومن يدور في فلكها وعدم مصداقية إدعاءاتها بسيطرتها على (80%) من أصوات الناخبين البحرينيين، وهذا ما يؤكده السفير نيومان عندما قال في تقريره (.. يبدو لي أن قرار المقاطعة كان فشلاً كبيراً للوفاق، كما أن العنف الذي حدث لاحقاً - مهما كان فاعله - صب لصالح اتهام الوفاق بأنها لا تعمل من خلال الوسائل التمثيلية والديمقراطية... وهو ما جعلها الآن في وضع أسوأ مع تأثير وسيطرة أقل على الشارع، وهي أقل قدرة على المناورة السياسية مقارنة بتأثيرها خلال ذروة الأزمة في (فبراير ومارس 2011م)، وهذا يعطي دليلاً آخر على أن الوفاق راهنت وأصرت على تنازلات إجرائية غير مقنعة قبل البدء في الحوار، ويعود ذلك ربما لمبالغة جمعية الوفاق في تقدير قوتها، أو لخشيتها انتقادات عناصر المعارضة الأكثر راديكالية، لأن (قراراتها منذ مطلع 2011م تركتها في وضع أضعف، والقيادة التي ترتكب مثل هذه الأخطاء لديها مشكلة، مهما كانت دوافعها من ذلك نبيلة)... كما يقول السفير نيومان.
ثالثاً: يسلط السفير الضوء على طائفية جمعية الوفاق حيث يقول: (.. هناك أيضا اتهامات للوفاق بأنها جمعية طائفية، وذلك لأن قادتها متدينون، واتخاذ القرارات النهائية تحتاج إلى دعم رجال الدين..)، ويشير إلى أن الوفاق لم ترد على ذلك وتقول: (.. إن عملها السياسي منفصل عن رجال الدين..)، ويعلق على ذلك بقوله: (.. بطبيعة الحال، فإن المتدينين الشيعة لابد أن يعودوا إلى مراجع الدين طلباً للإرشاد..)، وبعبارة أخرى فإن السفير نيومان يؤكد طائفية الوفاق كما وجد أنها لا تستطيع اتخاذ قرارها المبني على قناعتها، نظراً لوقوعها تحت تأثير رجال الدين والجماعات الإرهابية المتطرفة التي تتعاون معهم للإبقاء على سيطرتها ونفوذها على الشارع الشيعي الذي تراجعت حركته في الفترة الأخيرة إلى إلى درجة كبيرة وملحوظة.
خامساً: أشار السفير إلى الشارع السني بقوله (.. أما على الجانب السني، فإن المخاوف تعمقت، على رغم أنه لم يمكنني التحقق من صحة تلك المخاوف، وقد قيل لي أن المواقف في المناطق السنية كانت صورة طبق الأصل من تلك الموجودة في المناطق الشيعية، ولكن في اتجاه معاكس، وهناك عدائية وغضب من احتمال تقديم تنازلات، ولكن الميول داخل الشارع السني واسعة ومختلطة، وقد فقد معظم ممثلي الجمعيات الإسلامية مقاعدهم في انتخابات (2014م)، وهو ما يوحي بأن البعض في المجتمع تعب من المواقف الدينية، من ناحية أخرى، هناك تزايد في الجماعات ذات النزعات المتطرفة، وبعض البحرينيين التحق بصفوف تنظيم داعش، وليس معلوماً مدى الصعوبات في الشارع السني فيما لو حصلت تنازلات للشيعة، وكل ذلك يبقى في دائرة التكهنات..)، وهذا الرأي التحليلي يعكس الانقسام الشديد في الشارع السني الذي كان يخشى سيطرة ونفوذ الإسلاميين على المشهد السياسي بعد التجارب المريرة والفاشلة في عدد من الدول العربية خاصة في مصر، مما أدى الى ظهور ائتلاف شباب الفاتح الذي طرح دعوته للإصلاح السياسي بعيداً عن تجمع الوحدة الوطنية، كما يعكس هذا الموقف ابتعاد بعض الأصوات السياسية السنية الشابة عن خط الموالاة المفترض.
ويمكن التوصل إلى عدد من الاستنتاجات المهمة لتحليل السفير الأمريكي السابق حول للوضع في البحرين، وهي:
أولاً: القرار الذي اتخذته جمعية الوفاق بمقاطعة الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام (2014م)، وما لحقها من أعمال عنف، كان قراراً خاطئاً جداً، أسقط الوفاق في قاع الفشل، حيث انها لم تعمل من خلال الوسائل الديمقراطية المتاحة لطرح مطالبها، مما أدى إلى ضعف موقفها، وأصبحت غير قادرة على المناورة السياسية، وتعيش في وضع أسوأ مع تأثير أقل.
ثانياً: مبالغة جمعية الوفاق في تقدير قوتها ومكانتها في الأوساط الشيعية نتيجة خشيتها من انتقادات المعارضة المتطرفة، وقراراتها التي اتخذتها منذ عام (2011م) وضعتها في موقف ضعيف جداً، مما أفقدها المصداقية في قيادة العمل السياسي، خاصة بعد المشاركة الشعبية الجيدة في الانتخابات الأخيرة التي جعلت الحكومة أكثر اقتناعاً بأنه لا يمكن للوفاق أن تتوصل إلى صفقة سياسية معها ومن ثم إقناع مناصريها وضبط حركة الشارع، ويقوم هذا الاستنتاج للأسباب التي ذكرها السفير نيومان في تحليله وهي كالآتي:
1. سؤال السفير نيومان للوفاق ما إذا كانوا (قادرين على الحفاظ على أية صفقة فيما لو توصلوا مع الحكومة إلى اتفاق)، الذي لم يجد رداً واضحاً عليه، رغم أنه كان على قادة الوفاق الإجابة بوضوح على إمكانية الحفاظ على أي صفقة يتم التوصل إليها كي يكون هناك حافز للحكومة لتقديم تنازلات.
2. افتقار الوفاق وحلفائها من الجمعيات الشيعية الأخرى لرؤية مفصلية عن كيفية الخروج من الأزمة.
3. استقواء الوفاق والجمعيات الإرهابية الأخرى بالدعم الخارجي من إيران والعراق، بدليل عدم مشاركة المعارضة في الانتخابات التكميلية (2011م)، واكتشاف عمليات تهريب أسلحة ومتفجرات قادمة من إيران.
وفي نهاية تحليله السياسي، يقول السفير نيومان: (.. هناك آخرون لديهم وجهات نظر مختلفة بعض الشيء عن الإصلاح، ويقولون انه لا يمكن إجراء إصلاح بخطوة واحدة، ويمكن إجراء إصلاحات تدريجياً، عبر قادة جدد للمجتمع المدني، وهذا يحتاج إلى الإبقاء على العملية الانتخابية الحالية كوسيلة لتفعيل هذا الإصلاح التدريجي، ولكن هناك عنصر مهم لتحقيق الإصلاح التدريجي يعتمد على إحراز تقدم بشأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تساعد على تأجيج الاحتجاجات..)، إلا أنه يلاحظ أن ما تم تحقيقه على صعيد البرامج الطموحة التي تم الإعلان عنها يتسم بحركته البطيئة، وقليلاً منها تحقق، مبينا أن النهج التدريجي يبدو أنه نظرية أكثر منه ممارسة.
إلا أنني أختلف معه في هذه الملاحظة، حيث ان مشاركة جمعية الوفاق وحلفائها في الانتخابات التكميلية (2011م) والانتخابات البرلمانية (2014م) كان من شأنها إثراء العمل النيابي وزيادة فاعلية مجلس النواب وأدائه وإبراز قوته ونفوذه أمام السلطة التنفيذية، خاصة بعد أن أصبح لمجلس النواب اليد العليا على مجلس الشورى بفضل التعديلات الدستورية الناتجة عن مخرجات حوار التوافق الوطني الذي تم في (يوليو 2011م) وقاطعته المعارضة، وخرج بالعديد من التوصيات التي تصب في تحقيق وتنفيذ البرامج الإصلاحية الطموحة وتفعيل أكثر لمبادئ ميثاق العمل الوطني الذي هو أساس المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى.
وما أراه أن السفير نيومان قدم تحليلاً سياسياً يعكس واقع الأوضاع السياسية في البحرين، أوضح من خلاله معاناة المعارضة الشيعية - بقيادة جمعية الوفاق - والأزمة الحادة بين صفوفها الداخلية، وبين أن الحل الذي تحتاج إليه هو الشجاعة في اتخاذ قرارها الوطني لإعادة النظر في سياستها بعد أربع سنوات من الفرص الضائعة، وأبرز دور الحكومة التي استطاعت تنفيذ بعض التزاماتها وحققت تقدما مقبولا على الصعيد السياسي والدبلوماسي فيما يتعلق بملف البحرين الحقوقي، وفي إعادة الأمن والاستقرار الذي انعكس على نشاط الاقتصاد البحريني رغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها العالم بسبب الانخفاض الشديد في أسعار النفط.
ويتبقى أن أقول إن على كافة الجمعيات السياسية إعادة النظر في مواقفها، ودراسة ضرورة وجودها كعنصر إيجابي في العمل السياسي الوطني، لإعادة الوحدة الوطنية والقضاء على ما يعانيه الوطن من انقسامات في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة التي تمر بها المنطقة والتي تتطلب تظافر جهود كافة القوى والأطراف - سواء الرسمية أو غير الرسمية - لإعادة اللحمة والوحدة الوطنية إلى وطن الجميع.
 
 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا