النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

أين شعار اعمل بيديك؟!

رابط مختصر
العدد 9754 الأربعاء 23 ديسمبر 2015 الموافق 12 ربيع الأول 1437

هل يمكن أن نتعايش مع الأجيال الصاعدة بمثل ما تعايش آباؤنا معنا، أو تعايشنا نحن معهم؟! سؤال يحلو للبعض منا أن يسأله كلما وجد أحفاده يتعاملون مع التكنولوجيا الحديثة بجرأة ودون خوف أو وجل، بل اقتحام أعقد المسائل تقنية دون تردد أو إحجام.
ولكن لنكن واقعيين، أليس من الأجدى والانفع أن يكون هم كذلك، لأننا في الواقع كنا أكثر ترددًا، ونقدم رجلاً ونأخر أخرى عندما جاءت إلينا التكنولوجيا، ترددنا كثيرًا، بل أن الآباء كانوا مثلاً يحذروننا من الاقتراب من الكهرباء، وكنا لا نجرؤ على عمل الصيانة أو تركيب الأدوات الصحية في منازلنا، وحتى السيارة لم نكن لنجرؤ على أن نبدل منها ما هو يعتبر أمرًا عاديًا وليس فيه تعقيد، جيلنا تعلم أن يستعين بالآخرين لإنجاز ما يستخدمه.. لم نتعلم مثلاً النجارة إلا من رحم ربك، ولم نتعلم الحدادة إلا من ورث من أبيه أو جده، ولم نتعلم البناء إلا كوننا مساعدين درجة ثالثة أو رابعة، ولم نجرؤ على ركوب البحر نؤاخذه وإنما اعتمدنا على الآخرين الذين خبروا البحر أبًا عن جد.. ماذا لو تعطلت السيارة في الطريق؟ هل يستطيع أحد منا الآن أن يجد الحل السريع لذلك ويتصرّف بما تمليه عليه خبرته وتجربته في التعامل مع السيارة؟!
هذا لا يعني أنه لم يكن من بيننا من كان يعرف أن يضع جرأته في اقتحام أسرار السيارة أو فك طلاسم الكهرباء، وتسليك مواسير المياه، وبناء البيوت أو صيانتها على الأقل في تصليح التالف منها أو صباغتها.
سعدت يومًا عندما رأيت شبابًا من مدينة عيسى وهم يتعاونون مع بعض في فك سيارة أحد زملائهم عند منزله ويقومون بصيانتها من الألف إلى الياء وإدخال ما يلزم من تطوير على ديكوراتها الداخلية، فلم أتمالك يومها إلا الإشادة بهم وشكرتهم على صنيعهم وقدرتهم على التعامل مع السيارة مجتمعين كل حسب خبرته وتجربته في جزء من أجزائها. على النقيض عندما وجدت شبابًا أيضًا في مدينة عيسى مهمتهم فقط الاستعانة بالعمالة الآسيوية من أجل تلميع سياراتهم بشكل دوري، اعتقادًا منهم أن المظهر الخارجي للسيارة هو كل شيء، ولو سألته عن أجزاء السيارة وعمل كل جزء منها وأثره فيها لو تعطل على الأجزاء الأخرى لوجدته يجهل كل ذلك.
على قلة خبرتنا كنا نغير بلكات السيارة وكنا نصلح «البونت» وكنا نبدل عجلات السيارة عند إصابتها بالعطب، وكنا ننظف سيارتنا ولا نستعين بالآخرين فكان في ذلك توفيرًا للنفقات من جهة واكتساب خبرة في اصلاح ما يطرأ على السيارة، فكانت صلتنا بالسيارة وقتها لحاجة ماسة وضرورية وصيانتها والاهتمام بها من واقع الحرص على إمكانية توصيلنا لأعمالنا بسلاسة ويسر وليس الحاجة فيها إلى المطاردة والتحفيط والسرعات الجنونية.
والأهم أن السيارة كانت بمثابة خدمة العائلة وتوصيل الحاجيات الضرورية إلى البيت أو توصيل الاولاد إلى المدارس، وأحيانًا توصيل الأصدقاء إلى أعمالهم ممن لا يملكون سيارات أو هم في طريقهم إلى تعلم السياقة، فكانت وسائل التقنية والمواصلات حاجة مجتمعية قد نتعاون مع جيراننا أو غيرنا من ذوي الخبرة والتجربة في إنجاز الاعمال بها.
علينا أن لا نخاف من اقتحام أبنائنا وأحفادنا معطيات التكنولوجيا الحديثة وعلى مدارسنا أن تشجع هؤلاء على اقتحام أسرار هذه المعدات والأجهزة، ولكن لابد من التثقيف والتوعية بتكوينات هذه الأجهزة، بحيث يكون التعامل معها عن فهم وعلم وإدراك، وليت في تشكيل لجان أو جمعيات في المدارس يكون احد هذه الأنشطة متعلق بفهم تكنولوجيا الكمبيوتر، وإدراك المفاهيم المتعددة في تشكيل وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة، بحيث يكون التعامل مع المنجز الحضاري قائمًا على الفهم والاستيعاب وليس مجرد التعامل الشكلي وهذا لا يعني أننا لا نؤمن بالتخصص، فهذا التخصص مطلوب لمن يريد أن يتعمّق أو يتخذ منه مهنة في حياته، يسترزق منه ويكون بالنسبة له مهنة ووظيفة غير أننا في كثير من الأحيان وفي ظروف قاهرة نحتاج إلى إصلاح خلل التأخير فيه يضاعف من خطورته ويزيد في استفحاله، إن العمل اليدوي يُعد إنجازًا يتباهى به من أنجزه، ويشعر بالاعتزاز بما أقدم عليه وهو بالتالي الأحرص على المحافظة عليه ورعايته والاهتمام به.
إن تعقيدات الحياة وتكاليف إصلاح الأعطال في أجهزتنا الكهربائية أو الإلكترونية تتضاعف، والدول المنتجة للسيارات مثلاً باتت تدرك أهمية المحافظة على صناعتها وتطويرها واحتكارها، فأصبحت صيانة السيارات تقتضي عدم إصلاح العطب، وإنما استبدال قطعة بأخرى جديدة ولم نعد نسمع بسمكرة السيارة إذا ما حدث لها حادث وإنما أصبحت الكراجات
مع شركات التأمين همّهم استبدال قطعة بأخرى وفي ذلك احتكار يجعلنا تحت رحمة مصنّعي السيارات، وتجعل تجارتهم رائجة.
هل نستطيع أن نكون منتجين وفاعلين وقادرين على أن نؤدي أعمالنا بيد كريمة لا ترتجي عطف وشفقة أولئك الذين تعلموا الصنعة عن جرأة وخبرة وتجربة واقتحام المجهول، فصاروا من نعتمد عليهم في إصلاح الكثير من أجهزتنا المنزلية؟!

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا