النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الرغبة فـي عدم الفهم

رابط مختصر
العدد 9751 الأحد 20 ديسمبر 2015 الموافق 9 ربيع الأول 1437

أعرف أن المصالح في كثير من الأوقات تتغلب على الحقائق الموضوعية، خاصة في السياسة الدولية، لكن إنْ كانت الحقائق ظاهرة للعيان، وتتحدث عن نفسها أمام أنظار العالم، وليس في غرف سياسية مغلقة، فإن تغيير الحقائق وعكسها يدل إما على عدم الفهم، وإما عدم الرغبة في الفهم.
الأسبوع الماضي تحدث الرئيس فلاديمير بوتين أمام عدد كبير من العسكريين الروس والصحافة، وقال بما لا يدعو إلى الشك إن «روسيا تُسلح الجيش السوري الحُر»! كان التصريح خارجًا عن السياق. بعد ذلك حاولت موسكو أن تُعدل من ذلك التصريح، بإعطاء تفسيرات مختلفة! لكن الأمر بالنسبة للمتابع يشير إلى أن القيادة الروسية إما غير مُطلعة على مجريات ساحة تخوض فيها حربًا حقيقية، وإما أنها لا تسمع من الحقائق الموضوعية على الأرض إلا ما تريد أن تسمع. لو كانت المسألة حادثة غير مكررة لهان الأمر، إلا أن ذلك يذكرنا مرة أخرى بخوض السوفيات حربًا مشابهة في أفغانستان قبل أكثر من ربع قرن. وقد ترك لنا المؤرخ السوفياتي (الروسي) ألكسي فاسيليف قصة تشبه قصة بوتين الأخيرة، يقول فاسيليف: «إنه مع بداية الصراع في أفغانستان في نهاية السبعينات من القرن الماضي، أُبلغ وزير الدفاع وقتها بالاحتمالات السلبية الممكن تطورها في ذلك البلد، فقال: (إذا سلحوا الطبقة العاملة الأفغانية)»!! والكل يعرف أنه لا طبقة عمالية في أفغانستان، فجلهم من الفلاحين! إلا أن المقارنة هنا واجبة، فالسيد وزير الدفاع الأسبق ومثله الرئيس اللاحق يبدو أن معرفتهما بالأرض التي يخوضان الصراع فيها يسيرة، إن لم تكن منعدمة، والأخطر أن كلتا الهيكليتين السياسيتين في السابق واللاحق لم توفر من الفرص هامشًا يسمح بأن تقال لها الحقائق كما هي، وإن ضاعت الحقيقة في أي صراع ضاع القرار المناسب الذي يُفترض أن يُتخذ، وبُذرت بذور السفه والفشل السياسي.
على مقلب آخر، نجد أن القيادة الإيرانية والقيادة الروسية كلتاهما متمسكة ببشار الأسد، ليبقى على رأس السلطة في دمشق، وكلتا القيادتين لم تصل إلى الحكم في بلدها إلا بعد أن قام الشعب بالتخلص من شكل من أشكال الديكتاتورية المطلقة والمقيتة، التي كانت في معزل عن شعبها. شاه إيران كان في معزل عن شعبه إلى درجة أن نقل لنا عنه غازي القصيبي، وقد كان المرافق للشاه في زيارته للسعودية: «لو كان محمد رضا بهلوي يعرف عن شعبه ما يعرفه عن صناعة النفط، لكانت الأمور قد تطورت إلى شكل آخر من الأحداث».. كما لا يعرف السيد فلاديمير بوتين كيف تتغير الأمور من تحت رجليه، لأنه يحيط نفسه برجال يقولون له ما يريد أن يعرف، لا ما يجب أن يعرف، بدليل قوله إنه يُسلح «الجيش الحر»!
كيف يمكن إقناع القيادة الإيرانية والقيادة الروسية بأن ما قام به النظام السوري بقيادة بشار الأسد غير مسبوق في التاريخ الحديث؟ حتى نيرون، تقول لنا قصص التاريخ إنه أحرق جزءًا من روما، وكان بعض قادته من الحصافة بأنهم لم يلحقوا الضرر بكثير من تلك المدينة. بشار أحرق معظم مدن سوريا وبلداتها، في عصر لا تُنقل فيه الأخبار بالسماع، ولكن تنقل من خلال كاميرات مقربة، تتابع هذه المحرقة الإنسانية والمناطقية غير المسبوقة، كما تعرض تلك الكاميرات جثث القتلى والدمار وطوابير المشردين، ومشاهد لأطفال مذهولين يتراكضون في الشوارع طلبًا لمأوى من الحمم! هل يمكن أن يكون هناك عاقل يعتقد أن من قام بهذه المجازر البشرية والسكانية والبيئية والعمرانية يمكن أن يستمر في حكم شعب ذاق كل هذه الويلات العظام؟! لا بد أن هناك خطأ جسيمًا في مكان ما من ماكينة التفكير الروسي والإيراني، يجعل البعض يفترض أنه بالإمكان أن يُرغم الشعب السوري على تقبيل يد قاتله عنوة! وهو افتراض بجانب مخالفته للعقل حكمًا، فإنه خارج المنطق التاريخي المعروف للإنسانية.
في مكان آخر من تطورات الموقف تُحبَط النظرية الإيرانية ومناصروها، والتي اعتمدت على خداع العوام، بتبريرها أنها تدافع عن الأسد لأنه «مقاوم»، والممر الطبيعي لتغذية حزب الله، التابع لها، بالسلاح والمساندة، من أجل «حرب إسرائيل». فكل هذه النظرية انهارت وتفتتت على الأرض، بسبب عدد من العوامل، كان آخرها وجود القوات والنفوذ العسكري الروسي، حيث أعطت روسيا إسرائيل وعودًا وضمانات مغلظة، بمنع أي حراك لأسلحة ذات شأن من سوريا إلى حزب الله، وهو أمر طبيعي لأن أكثر من نصف قاطني إسرائيل من أصل روسي!! فقط المطلوب الآن من الحزب تقديم الضحايا في معركة هو أول من يعرف أنها خاسرة، لأنها تخاض ضد شعب، وليس ضد جماعة أو حزب! أما بشأن الحديث الروسي والإيراني الذي يقول إنهما هناك في سوريا لمحاربة «الإرهاب»، فليسألوا حلفاءهما اليوم في بغداد عمن درّب وسلّح الجماعات الإرهابية، التي بدأت أولاً تعيث فسادًا في لبنان (نهر البارد) ثم في بغداد، إلى درجة تهديد الحكام في بغداد برفع شكوى ضد النظام السوري في مجلس الأمن عام 2009!
مع كل هذه الحقائق على الأرض فإن كلا الحليفين في طهران وموسكو في ورطة سياسية واضحة لكل ذي بصيرة، إلا أن الحُكام في العاصمتين في مركب الإنكار. موسكو تريد فتح جبهات أخرى مع الأتراك، كما تفعل الآن في مزايدة سياسية وتهديد عسكري، وبغداد انتبهت لحرمة «التراب العراقي» فجأة، بعد شهور من وجود طلائع تدريبية للجيش التركي، كما تجاهلت وجود ميليشيات إيرانية على الأرض الممتدة من الشمال إلى الجنوب العراقي، والتي لا تنتهك «حرمة الأرض العراقية»!!
من السياق واضح أن هناك محاولات دؤوبة لصرف الأنظار عن المأزق الإيراني الروسي في سوريا، وهو مأزق مركب من جهة إصرار إبقاء نظام لا يملك الحد الأدنى من القابلية الشعبية ورضي بالاستعانة بالأغراب لقتل شعبه قتلاً يوميًا ومنظمًا وبالغ القسوة، وشعب من جهة أخرى لم يرضَ قبل مائة عام بأن يحكم من خلال عواصم أجنبية، رغم محدودية الوعي الشعبي في ذلك الوقت، عندما قاومت الشام الفرنسيين وغيرهم لتصبح في تاريخنا العربي «ذات الاستقلالين» (1920 – 1942). فالمراهنة لإخضاع سوريا خاسرة بأي حساب وبأي ميزان عقلي، وهي تزداد خسرانًا عندما يرى المتدخلون ما يحبون أن يروه فقط، بصرف النظر عن الواقع على الأرض.
الفرصة المواتية هي السير حثيثًا وبنوايا صادقة إلى ترتيب المرحلة الانتقالية في سوريا، فالتلكؤ حولها وتصيد الذرائع من جديد هو بالقطع قراءة خاطئة وقاصرة للموقف، بجانب الكثير من النزيف المالي والعسكري لكل من طهران وموسكو.
في العمل السياسي المكابرة هي أولى خطوات الفشل، واسألوا أدولف هتلر، أو حتى شاه إيران الذي قال كما نقل عنه السفير البريطاني وقتها في طهران: «هل هؤلاء المتظاهرون في شوارع طهران خرجوا جميعًا لتأييدي؟!».. ولم يجرؤ السفير إلا أن يهز رأسه!

آخر الكلام:
من أكبر الأخطاء الفهم أن الصراع في سوريا صراع آيديولوجي.. فهو صراع مصالح وليس من أجل عيون السوريين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا