النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

دعاة الكراهية

رابط مختصر
العدد 9750 السبت 19 ديسمبر 2015 الموافق 8 ربيع الأول 1437

واحد من أوائل الأشياء التي يتعلمها الطفل في دورس الفيزياء هو أن لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه.
لكن التاريخ والسياسة يعلمانا أن كل فعل عادة ما يثير ردود فعل أقوى، لننظر مثلا إلى تفاعلات حادثة اسقاط انقرة للطائرة الروسية التي اخترقت الأجواء التركية، وكيف تفاقمت تداعيات هذه الحادثة الصغيرة نسبيا حتى وصلت إلى حد التلويح بحرب واسعة بين البلدين القويين، وهو أمر سيضر في نهاية المطاف كلاهما.
لقد بلغ الأمر بفعل ظهور وتمدد داعش «الشرق أوسطية» إلى رد فعل وصل إلى حد ظهور «داعش الأمريكية» متمثلةً في مرشح الرئاسة الأمريكي دونالد ترامب. داعش الأمريكية هذه تسعى لدخول البيت الأبيض من خلال خطابات صادمة متطرفة عنصرية غير مسبوقة.
يبدو أن ترامب قد تعلم الكثير من داعش، فقد علمتنا داعش أن العنف يتغذى ويستعر فقط عندما ينجح في إثارة ردود فعل متصاعدة يوما بعد يوم وأسبوعا بعد أسبوع، فهي تبدأ بقطع رأس شخص واحد، ثم قطع رأس عشرة أشخاص، ثم رمي الناس من المباني، أو تفجيرها بقذيفة آر بي جي، أو حرقها أو شيِّها داخل أقفاص، وكل ذلك يجري تصويره بعناية فائقة ومؤثرات سينمائية تضاعف من أثره وهوله.
هذه هي طريقة ترامب، لقد بدأ مع بعض التعليقات المسيئة عن المهاجرين، ثم دعا لاستبعاد اللاجئين السوريين، ثم طالب بمحاسبة جميع المسلمين على الأعمال الإرهابية، ثم وصل به الأمر للدعوة إلى منع المسلمين من دخول أمريكا، ويمكننا تخمين ما قد ينجم عن أفكاره وخياله الخصب من دعوات أخرى من أجل مواصلة جذب انتباه الرأي العام طيلة مشوراه الحالم إلى سدة البيت الأبيض.
كيف ينبغي لنا أن نفهم استراتيجية ترامب؟ إما أن نعتقد أنه رجل ذكي جدا وأنه يفهم بدقة عواقب كلماته المغلفة بالسخرية لكي يكسب أصوات جزء من الأمريكيين غير القادرين على التمييز الأفضل لبلدهم، أو أننا نخلص إلى أن ترامب لا يعي خطورة ما يقوله ويعتقد مخلصا أن مقترحاته جيدة لأمريكا.
ترامب هو أفضل ما يمكن أن تحصل عليه داعش حتى الآن حتى وإن لم يجر انتخابه، فهو قد سمح لداعشبأن تدعي أن أمريكا معادية للمسلمين وتستحق محاربتها، وداعش بفعل خبراتها الدعائية لا يمكن أن تحلم بأداة لتجنيد الشباب أفضل من ترامب. دونالد ترامب يجعل العالم مكانا أكثر خطورة ويجعل الهجمات ضد الأمريكيين أمرا أكثر احتمالا.
لا بد هنا من أن نشير للسيد ترامب بأن استطلاعات الرأي المتكررة أثبتت ان أكثر من 95% من المسلمين في معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة ليس لديهم أي تعاطف على الإطلاق مع داعش، وهذا يعني أن داعش لا يمثل المسلمين.
إن التطرف مثل مرض السرطان الذي يصيب خلايا معينة في مناطق محددة من الجسم، وعلاجه يكون بإزالة الخلايا السرطانية فقط من خلال عملية جراحية دقيقة، لا أن يتم إلقاء قنبلة عليها لقتلها، وهذا ما يفعله ترامب من خلال خطاباته.
في السباق الانتخابي المحموم إلى البيت الأبيض تمكن ترامب من تلميع اسمه من خلال إعلانه أن المسلمين والمهاجرين هم العدو. إنه يريد من ذلك أن يحشد خلفه الأمريكيين الخائفين من التطرف والحريصين على الأمن الوطني، ذلك رغم أن العلاج الذي يقترحه أسوأ بكثير من المرض نفسه.
يحدث هذا مع الأسف في أجزاء كثيرة من أوروبا أيضا، حيث يحاول اليمين المتطرف إظهار ضحايا همجية وبراميل بشار الأسد من اللاجئين السوريين على أنهم عدو يهدد الأمن الوطني، ذلك بدل التعاطف مع مأساتهم.
«The Grapes of Wrath» أو «عناقيد الغضب» التي كتبها جون شتاينبك هي واحدة من أعظم روايات القرن العشرين، تحكي قصة عائلة أمريكية من بين آلاف عائلات المزارعين الأمريكيين الذين أجبروا خلال فترة الكساد العظيم في العام 1930 على ترك أراضيهم واللجوء إلى أراض خصبة في ولاية كاليفورنيا، لكن وبدلا من حصولهم على الدعم والتعاطف، استقبلهم أمريكيون آخرون بعين الريبة والعداء وجرى استغلالهم في أعمال السخرة، وكثير منهم توفي بسبب المرض والجوع.
أعتقد أنه ينبغي تدريس هذه الرواية بشكل إلزامي لكل طفل وشاب أمريكي، ولدونالد ترامب نفسه، ولا يهم ما إذا كان أولئك الذين يلجؤون إلينا في وقت الحاجة هم من أبناء وطننا أو ديننا أو أنهم أتوا من أماكن بعيدة، فنحن جميعا أبناء إنسانية واحدة وعلينا بذل كل ما في وسعنا من دعم ومساعدة.
إذا هزم ترامب انتخابيا أو هزمت داعش عسكريا، فستسمر المأساة مع ظهور عشرات النسخ من ترامب أو داعش مستقبلا ما لم نتمكن من معالجة الجهل والتعصب بنجاح واللذين يوفران المدد لهؤلاء الديماغوجيين دعاة الكراهية.
إن ظهور هؤلاء المتطرفين هو عرض من أعراض المرض الأساسي في مجتمعاتنا، وهناك مسؤولية علينا جميعا في الترويج للجانب الإنساني لدينا وإظهار المحبة والتسامح لعلاج هذه السرطانات من جذورها.

* الرئيس التنفيذي لمجموعة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا