النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

المشروع السياسي الذي يقود البندقية!

رابط مختصر
العدد 9745 الإثنين 14 ديسمبر 2015 الموافق 3 ربيع الأول 1437

يكاد الأمر يكون قاعدة ثابتة في الصراع الإنساني على اختلاف العصور، إن (البندقية أو السيف في سابق الزمان) لا يمكن أن يحققا دولة وينشئا مجتمعاً، ما لم يكن هناك مشروع فكري يتناسب والعصر الذي يعيش فيه مجموع المجتمع المخاطب. لم تتحقق الثورة الفرنسية على سبيل المثال لأنها استخدمت العنف فقط. لو لم يكن مع العنف شعار الإخاء والمساواة والحرية لما تحققت أهداف تلك الثورة التاريخية. والأمر ذاك تكرر في الثورة البلشفية في روسيا، كما تكرر في كثير من التغيرات الإنسانية، وأي عنف لا يصاحبه مشروع متسق مع الزمان والمكان، ويرسم صورة أمل إنساني مستقبلي، وإن حقق بعض النجاح المؤقت، فإن مصيره الفشل. والأمر ينطبق على كل الحركات الإنسانية، سواء كانت في زمن سابق أو معاصر. من هنا، فإن ما يدور حولنا على الأرض العربية من صراعات بعضها يحمل مشروعا، قد نختلف عليه، وبعضها لا يحمل ذلك المشروع، أو لديه مشروع غامض وغير متسق مع العصر، وحتى أصحابه لا يفهمونه ولا يمكن تسويقه، مثل هذا العنف لا مستقبل له طال الزمن أم قصر.
في الحالة السورية، وهي الأكثر إلحاحاً اليوم من ضمن كل الحرائق التي حولنا، يحمل النظام السوري مشروعاً غامضاً، وربما مستهلكا، مر عليه الزمن ولم يعد يقتنع به عاقل، وهو مشروع سمي ضلالاً «المقاومة» التي بهتت مفاعيلها اليوم، ولكنه مشروع. من جهة أخرى المعارضة السورية، مع الأسف لا تحمل مشروعا، بل منذ بداياتها حملت أفكارا جنينية لها علاقة بالماضي الشعاراتي لا الحاضر الموضوعي، فقد أطلق متحدثوها من البداية شعار «رفض التدخل الأجنبي»، وكان خطابهم ذاك متكئا على قاعدة الفكرة القومية الانعزالية التي لا تحتمل المرونة، في زمن تداخلت فيه المصالح وتفاعلت فيه القوى وتغير الخطاب الوطني جذرياً، ليصبح معولماً عابراً للجغرافيا، حتى اكتشفت بصعوبة أن التدخل (الخارجي) في الشأن السوري فيه من المتدخلين كما في سوق عكاظ من البضاعة (للاستعارة التشبيهية) ولم تبق دولة أو فصيل، أو طائرة أو بارجة أو غواصة، إلا ولها تدخل ما في المسرح السوري!!! من هنا، فإن المطلوب من المعارضة السورية، وقد حصلت على فرصة تاريخية اليوم بسبب مقررات فيينا التي أوكلت إلى السعودية، أن تستشرف إمكانية توحد المعارضة السورية على مشروع جامع، أن يتخلص بعض رجال وجماعات المعارضة من الأنانية وثقافة الماضي، وقراءة المتغيرات كما هي على الأرض. فليس الوقت اليوم بالنسبة للمعارضة السورية بكل أطيافها وقت (مغالبة) آيديولوجية، مهما كان لونها، وليست أيضا وقتا للتهميش والعزل ووضع الشروط. الوقت وقت وضع مشروع وطني شامل يحقق الدولة المدنية العادلة والمؤسسية، بعيدا عن الاستحواذ والتهميش، وأن يكون هذا المشروع واضحاً للكافة من مكونات الشعب السوري، بأن الدولة المأمولة في سوريا لا تستثني أحدا من مكوناتها، حتى أولئك الذي حاربوا مع النظام، لأن أغلبهم كان مضطرا لأن يفعل ذلك، عدا قلة قليلة تلطخت يدها بالدماء أو أفسدت، فإن المشروع الوطني السوري القادم يجب أن يحتوي كل مكونات الشعب السوري على تلك القاعدة الوطنية المدنية العادلة.
تعثر التغيير في العراق على مقلب آخر، كان بسبب عدم وضوح المشروع الذي تبناه أهل الحكم بعد 2003. والتغيير الذي تم كان على خلفية الإصرار على تهميش الآخر والاستيلاء على فضائه السياسي، مما خلق وضعا صراعيا في العراق ما زال قائما وقتل عشرات بل مئات الآلاف من المكونات المختلفة العراقية، بسبب ذلك الانسداد في أفق المشروع الذي وظف الطائفية وأعلى المصالح الضيقة قصيرة النظر، وأوغل في تهميش المختلف في المشرب السياسي. ولا يبدو الأمر قريبا إلى الانفراج في بغداد لأن المهمشين الحاليين من جهة أخرى لا يملكون مشروعا إيجابيا، بل يملكون مشروعا سلبيا في لعن الظلام القائم في بغداد وشيطنته كل مكوناته، ولكن لا يوجد مشروع إيجابي حديث يساير العصر، يطرح على الشعب العراقي الذي يتوق إلى الأمن والسلام.
في لقاء مع أحد أركان النظام العراقي السابق الذي عمل مع صدام حسين لفترة في وظيفة مرموقة، جادلته في المخرج العراقي الذي يراه، فإذا به يتمسك بالرأي في أن العراق ينتمي إلى حالتين: حكم وطني، كما قال، استمر من الملك فيصل الأول حتى صدام حسين، وحكم غير وطني منذ عام 2003 حتى اليوم. اقتنعت بعد ذلك الحديث أنه بالفعل الأفكار القديمة لا يمكن تغييرها. هذا التصلب والعيش في الماضي الوهمي وعدم نقده النقد العقلاني لاستخلاص العبر، هو ما يجعلنا في المسرح السياسي العربي نخوض في بقعة هائلة من الدم، ونستهلك طاقاتنا المالية والسياسية في خوض حروب الماضي الدنكوشوتية!!
ولا أستطيع أن أقول إن هذه العقلية يستثنى منها أحد في منطقتنا ممن مسه التغيير الكاسح، ومن ما زال ينتظر، فما زالت القرارات تؤخذ بشيء من الأحكام غير العقلانية وغير المتسقة مع العصر، إلا من رحمهم ربي، وهم مع الأسف قليلون!
الأمر ينطبق على أقدم صراع في المنطقة وهو «أبو الصراعات» إن صحت التسمية، وأعني به الصراع في فلسطين. لقد قدم عدد من الرجال والنساء مؤخرا حياتهم من خلال حمل سلاح أبيض ضد عصابات مدججة بالسلاح، السكين الفلسطينية مقابل الرشاش الإسرائيلي، مرة أخرى لا يواكب تلك السكين مشروع واضح المعالم توظف فيه وسائل العنف من أجل هدف محدد، وهو في يقيني الوحدة الفلسطينية التي يختلف على سلطتها الفرقاء، وهي ما زالت لا سلطة! إنها ثورات غضب فردية يستفيد منها النظام الإسرائيلي بإقناع المجتمعات الأخرى أنه يعيش حالة إرهاب!! وتصمت تلك المجتمعات عن إرهابه البين، هنا الفارق بين من لديه مشروع فكري وسياسي، ومن يفتقد هذا المشروع. المأمول من جهة أخرى، من الحكومة الشرعية الوطنية في اليمن أن تقدم مشروعا واضحا لليمن الجديد وتتخلى عن ضبابية لم تعد مفهومة لدى قطاعات عربية وأجنبية كبيرة. ومواصفات هذا المشروع هي السلم والبناء على قاعدة الدولة المدنية الحديثة والمؤسسية المشتملة لكل المكونات اليمنية.
لقد تداخلت عناصر كثيرة في عموم القرن الماضي العربي كي تعطل بناء الدولة الحديثة العادلة، بعضها بسبب حكم العسكر وبعضها بسبب الوفرة المادية، وجميعها بسبب ما حدث في فلسطين، وبعد قرن من الزمان اليوم لا أحد عاقل إلا ويرى أن الملاذ الحقيقي للخروج مما نحن فيه في قاع البئر العلمي والاقتصادي والسياسي، هو العودة من جديد لأركان الدولة المدنية الحديثة العادلة، وقتها يمكن أن نبدأ بالمسير في ركب الأمم الحديثة، التي طورت، بصرف النظر عن ثقافتها، مفهوما للدولة على قواعد قانونية عصرية، واتكأت على العلم الحديث للخروج من تخلف ضاع بعضها لسنوات طويلة في متاهاته.

آخر الكلام:
ولما جاءت الجلسة الثالثة بعد الثلاثين (وربما أكثر) انتخب البرلمان اللبناني رئيساً للدولة، ثم تم تقاسم الكعكة اللبنانية الهزيلة بين القبائل السياسية اللبنانية، انتظاراً لأزمة أخرى قادمة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا