النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

تجليات العقلية الارتيابية

رابط مختصر
العدد 9743 السبت 12 ديسمبر 2015 الموافق غرة ربيع الأول 1437

كتب الأخ الصديق د. إبراهيم عرفان مقالاً قيماً بعنوان، فقر الأفكار في التماس الأعذار، بمناسبة الأحداث الإرهابية في باريس، ليؤكد عجز قطاع عربي كبير عن المراجعة وحساب النفس والمسارعة في التماس الأعذار للإرهابيين وكأنهم يقولون للغربيين، تستحقون ما جرى لكم بسبب ماضيكم الاستعماري، ليقول، ليس أسوأ من فقر الجيوب إلا فقر العقول، تلك العقول التي اعتادت تعاطي الخرافات وإبراء نفسها من التبعات ومطاردة دعاة العقول باللعنات والاتهامات، صدق كاتبنا فيما ذكر، وصحيح أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر، كون المولى تعالى ميز الإنسان بالعقل وكرمه على سائر المخلوقات، فلا فرق بين عقل عربي وعقل غربي، إلا أن العقليات أو الذهنيات مختلفة تبعاً لاختلاف الثقافات الموروثة والسائدة، وتبعاً لاختلاف التطور الحضاري للشعوب، ومن هذا المنطلق، نستطيع التحدث عن، عقلية ارتيابية، لدى قطاع عريض من الرأي العربي، أقصد بالعقلية الارتيابية، تلك العقلية التي تتوجس من الآخر، وتغلب سوء الظن والشك فيه، باعتبار أننا (الأمة المستهدفة) أبدا، من قبل أعداء عالميين أقوياء، متربصين، لا يريدون الخير لنا ولا شغل لهم إلا الكيد للإسلام والعرب والمسلمين، ولا يسأل أصحاب هذه الهواجس أنفسهم، لماذا يتآمر العالم المتقدم علينا ونحن الأحوج إليه في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياتنا؟!
هل من قوتنا الرهيبة؟ أم من اقتصادنا المنافس له؟ وما الذي يخشاه ويشكل خطراً عندنا، حتى يتآمر ضدنا؟!
على أن العقلية الارتيابية لا تقتصر على أوهام التآمري العالمي الذي يستهدف أمتنا، كما يرددون، بل لها مظاهر وتجليات عديدة، أبرزها:
 1 - العقلية الارتيابية الاتهامية التي تسارع إلى التشكيك في المعتقد الديني للآخر وتكفيره أو اتهامه في وطنيته وتخوينه لمجرد الخلاف السياسي أو المذهبي أو الديني.
 2 - العقلية الارتيابية الإقصائية التي تدعي تملك الحقيقة المطلقة أو الصواب المطلق، فلا تؤمن بنسبية الحقائق السياسية والاقتصادية والمعرفية والمذهبية.
وان معتقدها هو الصواب المطلق ومعتقدات الآخرين هي الزيغ والبطلان والضلال.
 3 - العقلية الارتيابية الهروبية، التي لا تواجه مشاكل مجتمعاتها وتتحمل مسؤوليتها، وتستهل تحميلها للآخر الغربي المتفوق، أو الآخر الداخلي المختلف، عبر أوهام التآمر، أو أخطار الغزو الفكري والعولمة والصليبية الحاقدة والحرب الدينية ضد الإسلام، فلا تعترف بأخطائها، ولاتراجع أوضاعها، بل وتبرر للأعمال الإرهابية العدوانية، بأنها ردة فعل لمظالم الغرب.
 4 - العقلية الارتيابية الانتقائية الأسيرة للماضي المجيد، والتي تنتقي من تاريخها الطويل (14) قرناً (لحظات مضيئة) وتغيب ألف عام من الصراعات الدموية على السلطة وقمع المعارضين، ومظالم عامة وانقسامات طائفية عنيفة وفتنا عظمى، وأخطاء كبرى بحق الشعوب الأخرى تبررها، وكأن تاريخ العرب والمسلمين ليس تاريخ بشر لهم وعليهم، يصيبون ويخطئون، مثل سائر الشعوب والأمم، مما ورث أبناءها استعلاءً كاذباً وامتلاءً فارغاً للذات، وأحلاماً رومانسية لماض مجيد ينبغي استعادته عبر الشحن والتحريض على كراهية الآخر المتفوق والثأر منه استردادا لكرامة أمة اجريحة، كما يزعمون؟
 5 - العقلية الارتيابية الخرافية التي تصور الأمور تصويراً لاعقلانيا وتربط الظواهر بغير أسبابها وعللها، وتسارع في تحريم مباحات، بناءً على أوهام وظنون، من أمثلة ذلك، ما نقلته مواقع الكترونية عن مغردين قطريين طالبوا الجهات المختصة في قطر بعدم السماح لفرقة أجنبية بتقديم عروض ألعاب خفة اليد والخدع البصرية بحجة أنها من قبيل السحر المحرم في الدين! علماً بأن هذه الفرقة تقدم عروضها في دول عديدة من غير اعتراض، ولم يعتقد احد بأن هذه العروض المسلية للجماهير، من أعمال السحر! فقد ذكرت بوابة الشرق الالكترونية أن مغردين أكدوا للمحرر، أن الجهات المختصة ألغت عقد أكبر عرض للسحر العالمي بالدوحة، مع شركة أجنبية كان مزمعاً تقديمه بمركز قطرالوطني للمؤتمرات، وذلك بناءً على اعتراض عدد من المواطنين عبر هشتاق، طهر الله قطر من السحر، استنكروا احتضان الدوحة لمثل هذه العروض المخالفة لقيم الإسلام والأخلاق وعادات المجتمع القطري، ومستندين لفتوى الشيخ الفوزان بعدم جواز مشاهدة السحر حقيقيا أو تمثيليا، ومع أني استبعد صحة الخبر، كما استبعد ان يكون الإلغاء، إذا صح، تم بناءً على هذا الاعتبار الوهمي، قد يكون هناك اعتبارات أخرى، إضافة إلى أن هؤلاء قلة لايمثلون الأكثرية من الرأي العام في قطر، إلا أني لا استغرب وجود عقليات في المجتمع القطري وفي غيره من المجتمعات تعتقد أن أعمال خفة اليد، سحر محرم شرعا!
ختاماً: هذه العقليات الارتيابية، قد لا تشكل ظاهرة لدى السواد الأعظم، لكن ينبغي مراجعتها وتشخيصها - لأنها معوق ثقافي في وجه التنمية والتقدم - عبرتفعيل آليات النقد والمراجعة ورفع سقف الحريات العامة، لنثق بأنفسنا وفي ثوابتنا، ولنتخلص من أوهام التآمر وهواجس الغزو الثقافي ومخاوف العولمة، ولنتحرر من أغلال الماضي، فنحن أبناء هذا العصر، وجزء من هذه الحضارة، لنتفاعل مع مستجداتها تفاعل الواثق لا الخائف المستريب، لأن الخائف المتوجس لا يبني ولا يتقدم ولن يستطيع النهوض أبدا، لنتصالح مع العالم كما فعلت كافة الأمم المزدهرة، وعلينا أن ندرك أن بلاءنا يأتي منا لا من الآخر الخارجي، من الغزو الداخلي الهمجي المدمرلمجتمعاتناوأسسها المدنية والحضارية، من فيروسات التطرف والتعصب والطائفية والقبلية وسوء الظن بالآخر واتهامه وإقصائه وتخوينه وتكفيره، مصداقا لقوله تعالى، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، صدق المولى تعالى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا