النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

الكتابة بحبر أسود

رابط مختصر
العدد 9736 السبت 5 ديسمبر 2015 الموافق 23 صفر 1437

بأسلوبه الرصين يتوغل الكاتب حسن مدن في إصداره الأخير «الكتابة بحبر أسود» في تفاصيل اسرار العلاقة بين الكتابة والكتب والقراءة، ولاشك ان لمدن امكانيات أدبية ومعرفة واسعة وخبرة طويلة في كتابة المقال وتجربة لغوية، كل ذلك يجعل من فكرته واضحة جلية متماسكة قوتها نجدها حريصة على امتاع قارئه.
وعن هذا الاصرار يقول الناشر «يقدم مدن لنا رؤية شاملة لفعلي الكتابة والقراءة، ماراً بأصغر التفاصيل وأدقها، متناولاً كل تلك اللحظات التي تنتج لنا كتباً عظيمة وكتابات رائعة، عارضاً لمجموعة من الكتَّاب والروائيين والشعراء وادواتهم وآلياتهم خلال الكتابة».
وإذا كان محور وجوهر هذا الاصرار الكتابة والقراءة، فان اهم ما يميزه تلك الكتابة المرتبطة بواقع الحياة المختلفة وبسعة الافق وهو يتناول ميادين متعددة في مجال الكتابة والكتب والقراءة.
فإذا كان هناك - كما يقول د. عز الدين اسماعيل في كتابه الادب وفنونه - عناصر كثيرة تشترك في تكوين العمل الادبي تتمثل في العناصر التي تقدمها الحياة ذاتها لاعتبارها المادة الأولية لأي عمل أدبي سواء كان قصيدة أم مقالة أم مسرحية أم قصة. ثم هناك عناصر يضيفها المؤلف في عملية نقله المادة الأولية إلى هذه الصورة أو تلك من صور الفن الأدبي وهي العنصر العقلي والعنصر العاطفي وهو الشعور، وعنصر الخيال، فان مدن وفي محطته عن الكتابة وهو يجيب على تساؤلات يثيرها: من أين يستقي الكاتب مادته، أمن الذهن مثلاً، أم من الشعور؟ أم من تجاربه وخبرته الملموسة؟ أم هي مركب مزدوج من هذه الينابيع، وربما من سواها ايضا، أم تراه من امر آخر غير معلوم؟ يقول للذهن حضوره في الكتابة، لعل الذهن يلتقط الفكرة ويمثلها ويعيد تركيبها قبل ان تنسكب كلاماً على الورق، كأن دور الذهن هنا يشبه إلى حد ما دور المهندس الذي يضع التصور النهائي للشكل الذي ستكون عليه العمارة، ولكن من يرون ان الكتابة الذهنية جافة أو مصابة بفقر الدم أو خالية من الروح ليسوا مخطئين، لأن الذهن وحده عاجز عن تقديم نص حي من لحم ودم وروح، ويضيف: الكاتب نفسه ينتابه ذلك الشعور حيال نصه، فهو يميز بين النص الذي يطغى عليه الذهن وقت الكتابة، وبين النص الذي كتب بباعث المشاعر. وتوضيحا لهذه الفكرة يقول: هذا يصح بدرجة اساسية على الكتابة الابداعية التي يفترض ان تقوم على طاقة هائلة من التخيل والحلم توسع من الفضاء الذي يتحرك فيه الكاتب لتصدير التمزقات والانكسارات الانسانية على انواعها، والكتابة الصحافية ليست بمنجاة من هذا المأزق ابدا. الكاتب الصحافي وان كان مدعواً لملاحقة الحدث والكتابة في مدار الخبر الساخن، فانه غير قادر من الجهة الاخرى على مخاصمة ذلك الوازع الداخلي الكامن في قرارة نفسه وهو ما يجعل من كتابته قابلة للبقاء.
وعن ازمة القراءة في الدول العربية كتب الكثير ومن بين ما كتب انها ازمة بنيوية وذهنية في آنٍ معاً، تضاف إلى منظومة الصعوبات والمعوقات والازمات التي تعاني منها بلداننا العربية! والسؤال الذي يطرحه الكاتب مصطفى العويك وهو لماذا لم يعد يقرأ المواطن العربي من محيطه إلى خليجه؟ سؤال جوهري يفتح آفاقا لأجوبة لن نتوقعها ابدًا.
كتب «العويك» تنتشر الأمية في الدول العربية بشكل مريع جدا يصل إلى اكثر من 40 في المئة. الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءاً، ودخل المواطن متواضع جدا، والفواتير والطعام والتعليم والسكن والاقساط تتصدر اهتماماته، ولا مكان للكاتب بين كل تلك الضروريات التي يفتقدها المواطن! ويلعب العامل السياسي القمعي دوره فيعمل على توجيه الشباب إلى اهتمامات أخرى لضمان عدم دخولهم الميدان السياسي الذي يتطلب متابعة دائمة تاريخية ومعاصرة، وهذا يشكل تهديدا صريحا للانظمة الحاكمة، ورغم ذلك تفاعل الشباب مع القراءة الالكترونية، وفضلا عن هذا وذاك التراجع الخطير في حركة النشر والطبع والتوزيع في الوطن العربي، وعدم التحول إلى مفهوم «صناعة الكتاب» كما هو الحال في العالم الغربي. كذلك التطور التقني الهائل لوسائل الاعلام وسيطرة الوسائل الرقمية مما اضاف تحدياً آخر على القراءة التقليدية!.
وازاء هذه الازمة التي تبرز نوعا من اللامبالاة لدى الكثير تجاه القراءة يرى مدن ان الأمر الذي لم ينلْ العناية الكافية في غمرة الحديث عن ازمة القراءة هو (أزمة المثقفين) وهو يعني بإيجاز ان (أمية) المثقفين تكمن في ان المثقف في مرحلة من المراحل حين يجد ان مكانته قد تكرست يكف عن تطوير معارفه بالمزيد من المتابعة والاطلاع والبحث ومتابعة الجديد، وهذا يسفر على حد قوله مصدر تلك الصدمة التي تنتابنا حين نحضر محاضرة لاسم معروف في دنيا الثقافة، كنا قد قرأنا له مؤلفات ربما تكون قد اسهمت في يوم ما في تشكيل معارفنا، فنفاجأ بأن لا جديد لديه ليقوله!.
وهنا يصل إلى ان هؤلاء (المثقفين) يستمدون وجاهتهم من ضعف الجدل الفكري والثقافي الذي يدفع نحو المثابرة وحتى المنافسة والتقصي ومتابعة الجديد المعرفي في فهم واقع متحرك متغير ليس بالامكان فهمه بالأدوات القديمة نفسها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا