النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

«الجهاد».. ضد الكراهية

رابط مختصر
العدد 9733 الأربعاء 2 ديسمبر 2015 الموافق 20 صفر 1437

«ليس سهلاً أن تحب»، يقول الكاتب السعودي علي القاسمي، في «الحياة» 24/2/2015، «إنما من السهل جداً أن تكره»!
وفي مقال عنوانه معبر ومثير، «أنا أكره.. إذا أنا موجود»، يلخص في الواقع الكثير من ملامح التوتر والمشاحنات في الحياة العربية، ويضيف: «منصات توزيع الكراهية لدينا مستعصية على العد، لأن التسامح والحوار الهادئ وتقبل الرأي الآخر وتغليب حسن النوايا، مشاريع متعثرة في المشهد العام».
«الكراهية»، تقول: «موسوعة الدين والأخلاق»، الغربية الشهيرة، حالة نفور ذهنية من شيء ما يضايقنا، وتتمثل الحالة في بغض الشيء أو الاستياء منه، وتزداد شدة الحالة مع تزايد الرغبة في إيذاء ذلك الطرف أو إيلامه أو الخلاص منه بأسرع وقت.
من أين تنبع الكراهية في حياتنا داخل العالم العربي؟
من حياتنا السياسية التي حرمت الكثيرين حرياتهم الثقافية والدينية والاقتصادية والفكرية، من تراثنا الذي نرفض أي مناقشة علمية فيه ونطارد حكومة وشعبا من يعبر بصراحة عن رأي فيه، من فشلنا في تحقيق أهدافنا التنموية أو الارتقاء بمجتمعاتنا، حيث لا تزال ظواهر الفقر والبطالة وغيرها بخير، ومن أحزابنا وأيديولوجياتنا التي حاولت أن تداوي عيوننا فأعمتها وأن تقضي على الأعداء والخصوم فصارت هي في مقدمتهم ضدنا!
لماذا تنتشر هذه العدوانية وهذه الكراهية في العالم العربي، ونبتلى بوحوش تنظيم «داعش»، وغيره، وتتسلط على شعوب العالم العربي والإسلامي كل هذه الكوارث، رغم أن العلم والثروة والصحة والاتصال والترفيه أكثر اليوم انتشارا وتوفرا مما كان عليه الحال قبل قرن مثلا في سائر بلدان العرب؟
الكراهية موجودة منذ قرون في مناطق لا حصر لها وبين أتباع العديد من الأديان والقوميات، وبعضه لا يزال ناراً تحت الرماد رغم مظاهر التفاهم والتقارب الدولي. يقول القاسمي «أؤمن أن الكراهية ليست صناعتنا لوحدنا، ولم تكن فعلاً من طرف واحد، لكن كراهيتنا أعلى وأشمل وأوسع، وباتت خطرة».
ولهذا كله أسباب، يضيف: «كراهيتنا تستند إلى الجهل، وتتكئ على التعصب، وتتغذى على الطيش، وعنتريات الماضي.. تعصب واستعداء مجاني»!
لا أدري إن كانت كراهيتنا للآخر حقا كما يرى الزميل الفاضل، «أعلى وأشمل وأوسع»، ولكن حتى هذا القدر الذي نراه منها في العراق وسوريا وليبيا واليمن وبلاد عربية وإسلامية أخرى مبعث قلق أخلاقي كبير.
الباحثون يميزون بين التعارض والكراهية. فالتعارض أو النفور هو مجرد عدم ارتياح من شيء ما أو من شخص أو شعب أو أتباع مذهب أو دين. أما الكراهية فتعبر عن نفسها بكل ما في الطبيعة الإنسانية من أدوات الشر ومظاهر البغض، كالحسد والغيرة والانتقام والثأر، مظاهر محورها الذاتية والأنانية ومعاداة المجتمع والآخر. ولعل أسوأ وأشرس تجلياتها في حياتنا اليوم، التفجيرات والعمليات الانتحارية، وبخاصة تلك التي تستهدف الأسواق ومساجد الشيعة والسنة ومجالس العزاء، وحفلات الزواج!
بعض كتب السنة والشيعة كانت تتضمن دائما التنفير والمعاداة إزاء الطرف الآخر، والطرفان ضد المسيحيين واليهود وسائر «الكفار»، وحتى في مصر التي عرفت العديد من الأديان وشكل المسيحيون واليهود جزءاً مهماً من سكانها، يقول المؤرخ «أحمد أمين» في كتابه «قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية»، الذي صدرت طبعته الأولى بالقاهرة في يناير 1953م، في مادة «الكفار» ما يلي:
يسمى عند المصريين من اعتنق دينا غير الإسلام كافرا، والجمع كفار، سواء كانوا نصارى أو يهودا أو وثنيين. وإذا مات الكافر قالوا عنه «هلك»، وإذا رأوا جنازته لا يترحمون عليه. وإذا ذكر اسمه كذلك. وإذا كتبوا عنه لا يقولون غفر الله له، ولا اللهم ارحمه. وإذا مرت عليهم جنازة مسلم وقفوا وقالوا لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إيه راجعون. وإذا مرت عليهم جنازة كافر لم يقفوا ولم يترحموا. ولا يسمح لنصراني أو يهودي ان يدخل المسجد، ولا أن يحمل المصحف، ولا أن يدخل مكة أو المدينة. ولذلك كان من أراد منهم ان يفعل ذلك ادعى الإسلام وتزيى بزي المسلمين. والآن يسمحون للسائح النصراني ان يدخل المساجد الأثرية ليتفرج عليها بتصريح من وزارة الأوقاف». (قاموس العادات، أمين، طبعة 1999).
لم تكن الظروف السياسية والاجتماعية مؤهلة في تلك السنوات لظهور كل ما نرى اليوم من كتب وخطب، وبرامج تلفزيون ومواقع انترنت، وكل ما تتصارع من أحزاب الاخوان والسلف وحزب الله والدعوة، وتنظيمات التكفير والجهاد، وكل هذه السكاكين والرشاشات والمتفجرات.
غير أن أفكار وعبارات الكراهية والمعاداة نمت واتسعت مع الوقت وأفرزت ما نرى اليوم من مؤلفات تكفير ومؤسسات إلغاء وتنفير وبث أحقاد. فاليوم، هناك للأسف في بلداننا العربية والإسلامية والتجمعات الإسلامية في كل دول العالم، جيش من المتطرفين والمتشددين والإلغائيين والتنفيريين والتكفيريين، بينهم بعكس بقية أديان كثيرة أخرى إن لم تكن كل الأديان، عدد لا يستهان به من خريجي الجامعات والأطباء ومهندسي المعمار والكمبيوتر، ومن التجار والحرفيين، ومن الرجال والنساء، ممن يعملون بلا كلل في «مناجم الكراهية» والسراديب، بل يقدمون بكل شوق ولهفة على نحر الآخرين.. وتفجير أنفسهم! الكراهية، يقولون، كالبندقية المسدودة الفوهة! أو هي كالقذيفة التي سرعان ما ترتد على من يرمي بها!
ألا يحق للأخ «علي القاسمي» أن يقول: إن كراهيتنا «أعلى وأشمل وأوسع»، بل باتت تهدد توازننا العقلي وتسمم حياتنا السياسية وتدمر سمعتنا الدولية وتجرنا بقوة إلى أسفل سافلين؟
هل في كتب الجهاد أي إشارة إلى نموذج عصري، بتنا بحاجة ماسة إليه، هو «الجهاد ضد الكراهية»؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا