النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

أوروبا.. تغرق في بحر الإرهاب

رابط مختصر
العدد 9725 الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 الموافق 12 صفر 1437

وانقلب السحر على الساحر، فبعدما كانت أوروبا على يقين أنها في مأمن من الإرهاب، نرى باريس التي حملت راية مبادئ حقوق الإنسان في العصر الحديث وتبنت (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) في أغسطس 1789م، و(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) في ديسمبر 1948م، تغرق في بحر الإرهاب وتعيش في صدمة الهجمات الإرهابية المفاجئة التي أوقعت (130) قتيلاً مساء (13 نوفمبر 2015م) مما دفع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى التوجه للجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) يوم الخميس الماضي لطلب الموافقة على تمديد حالة الطوارئ في فرنسا للأشهر الثلاثة القادمة اعتبارا من (26 نوفمبر 2015م حتى نهاية فبراير 2016م)، كأول ردة فعل لتقييد الحريات وتوسيع نظام الإقامة الجبرية ليشمل أي شخص يعتبر تصرفه مشبوهاً ويمكن أن يشكل تهديداً للأمن، ومنح وزارة الداخلية والمحافظين صلاحية إلغاء الحفلات والمظاهرات، وإغلاق الأماكن ومنع دخول أشخاص مشتبه بهم إلى أماكن محددة، ومنح الشرطة حق تفتيش المنازل وأماكن العمل دون تصريح من النيابة العامة، وقيام الدولة بمراقبة الصحف والإذاعات وقنوات التيلفزيون ودور السينما والمسارح وفرض رقابة على محتواها وإغلاق المواقع الإلكترونية.
فماذا جرى؟ ولماذا سيطرت فوبيا الإسلام على قرارات وتحركات الساسة الأوروبيين بمختلف توجهاتهم؟ فقد صرح رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في كلمته أمام الجمعية الوطنية لطلب تمديد حال الطوارئ: (.. نحن في حالة حرب لم يعودنا التاريخ على مثلها، بل هي حرب جديدة في الداخل والخارج، الإرهاب هو السلاح الأول فيها..)، ورفعت بلجيكا حالة التأهب لخطر الإرهاب إلى المستوى الرابع في العاصمة بروكسل، وأغلقت شبكة القطارات ومترو الأنفاق، وطلب من المواطنين تجنب مناطق الازدحام، وعلقت الفعاليات الضخمة مثل مباريات كرة القدم.
إن المشهد الإرهابي الذي رأيناه في باريس قد يتكرر في أي عاصمة أوروبية، وذلك بعد أن أخفقت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والدول العربية في التعامل مع الإرهاب والقضاء عليه، أو على أقل تقدير معالجة تبعاته المدمرة، سواء في أفغانستان أو العراق أو سوريا أو مصر أو ليبيا، لسبب غير خفي وهو اختلاف المصالح الدولية والسياسات المتأرجحة والمترددة بعد أن أسقط دور الأمم المتحدة التي لم تستطع تنفيذ أو وضع آلية لتنفيذ قراراتها الصادرة بهذا الشأن، لعدم رغبة القوى الدولية المتنفذة في ذلك، فأصبحت هذه القرارات حبرا على ورق، يؤكدها تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية قرارات الأمم المتحدة بمباركة أوروبية بتشكيل تحالفات عسكرية من دون غطاء شرعي من الأمم المتحدة لتنفيذ مهمات مختلفة ضد إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا أو القيام بأعمال عسكرية منفردة كما فعلت روسيا دون الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي، لذلك فإن قرار مجلس الأمن الدولي الذي وافقت عليه بالإجماع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتاريخ (20 نوفمبر 2015م) بمضاعفة العمل في مواجهة تنظيم (داعش) واعتباره (تهديدا عالميا وغير مسبوق للسلم والأمن الدوليين)، وتنسيق جهود الدول لمنع وقمع الهجمات الإرهابية، والذي جاء بطلب فرنسي، قد يساعد على إعادة الأمور إلى نصابها بتفعيل دور الامم المتحدة بعد غياب.
وأريد هنا أن أذكر بالجلسة رفيعة المستوى التي دعت إليها روسيا بصفتها رئيس مجلس الأمن الدولي وعقدت في (30 سبتمبر) الماضي تحت عنوان (صون السلام والأمن الدوليين وتسوية النزاعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتصدي لخطر الإرهاب)، ومداولات الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن وعدد من الدول العربية كالسعودية والإمارات وقطر والأردن إلى جانب إيران التي جرت خلال تلك الجلسة، تؤكد الخلاف الشاسع بين هذه الدول بشأن التوصل إلى حلول أممية تقضي على أعمال العنف والتطرف والإرهاب والإرهاب الفكري ومصادره ودوافع عناصره المتطرفة باعتبار أن دوافع من يتبنى وينفذ الأعمال الإرهابية المتطرفة في الشرق الأوسط هي البيئة التي يسودها الفكر الديني المتطرف والاستبداد والفقر والبطالة وعدم احترام حقوق الإنسان.
وتبرز أهمية هذه الجلسة كونها سلطت الضوء على آراء الدول المجتمعة ومخاوفها من الإرهاب وإدراكها أهمية العمل الجماعي الموحد لمكافحة أيديولوجيته ومنع تجنيد المقاتلين الأجانب مع عدم الإساءة للعقائد الدينية والقضاء على أسباب التطرف التي هي في المجمل تتركز في البطالة والفقر وتهميش الأقليات من أجل وقف الفوضى والتدهور الأمني الذي تتعرض دول الشرق الأوسط.
إلا أن ظهور ذلك التنظيم الدموي (داعش) في العراق وسوريا وسيطرته على مساحات شاسعة منهما، وما صاحب ذلك من أعمال عنف دموية غير مسبوقة في تاريخ البشرية، وتمكنه من تجنيد عناصر من المجتمعات الأوروبية التي تتمتع بمستويات معيشية مرتفعة، أطاح بالنظرية الراسخة في أذهان المحللين والكتاب حول أسباب الإرهاب التي تمحورت لديهم في (الفكر الديني المتطرف والفقر والبطالة والتهميش).
ومن هنا فإن التفسير المنطقي لإرهاب (داعش) هو سياسات الدول الراعية للإرهاب والهادفة إلى تنفيذ مخططاتها في المنطقة العربية من أجل التغيير المبني على مصالح سياسية خطيرة، والمبالغة الأميركية في دعم قيام الأنظمة التعددية في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب فشل صناع القرار أو الخبراء المهتمين ببحث الأسباب الكامنة وراء ظاهرة الإرهاب من استيعاب الإسلام ومبادئه السمحة خصوصا ما يتعلق منها بالسلام والتعايش مع الشعوب والأمم، واستغلال حالات فردية وتفسيرات وفتاوى لا تمت للإسلام بصلة في مهمة الحرب الفكرية والصراع السياسي ضد الإسلام بالتحالف مع أحزاب وطنية إسلامية لمنحها دورا أو فرصة للحكم، في وضع يمكن تشبيهه بمختبر التجارب لنشر الديمقراطية.
إن التوصل إلى حلول عملية للإرهاب والعنف والتطرف يتطلب من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي تنسيق جهودهم وتحمل المسؤولية المشتركة لوقف التهديدات الإرهابية من خلال التعاون الجاد مع الأمم المتحدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2178) الصادر في (سبتمبر 2014م) تحت الفصل السابع، والمتعلق بمنع تدفق الإرهابيين على سوريا والعراق، وتجفيف منابع التمويل المالي للإرهابيين الذي يعتبر الشريان المغذي لهم لشراء السلاح وإغراء أصحاب النفوس الضعيفة من الشباب، والعمل على محاربة أيديولوجيا التطرف بالتنسيق والتعاون الحاسم مع الدول العربية والإسلامية، نظرا إلى أن المحاربة الدولية للفكر الشاذ الذي يشوه الإسلام ويسيء إلى مبادئه السمحة يعزز الثقة ويرسخ القيم الحضارية الإنسانية بين كل الأديان السماوية القائمة على التسامح والمساواة والاعتدال والحفاظ على التراث الإنساني المتنوع بما ينعكس إيجابا في التوصل إلى نتائج عملية من الحملة الدولية للقضاء التام على الإرهاب بكافة أشكاله وأيا كانت مصادره.
لذلك فإن القضاء على الإرهاب يتطلب تعاونا دوليا جادا باتخاذ ما يلي من خطوات:
- إيجاد آلية أممية بصلاحيات كاملة لمعاقبة الدول الساعية إلى زعزعة الأمن والسلم الدوليين عبر تدخلها في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وإذكاء النزعات الطائفية بين شعوبها، كما تفعل إيران في العديد من دول مجلس التعاون كالسعودية والبحرين والكويت.
- حل الأزمات والقضايا السياسية التي طال أمدها بالتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة كالقضية الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني وعاصمتها القدس الشرقية.
- دعم الحكومات الشرعية في البلدان المتأثرة بالصراعات لتمكينها من مواجهة الجماعات الإرهابية وتحقيق استقرارها وتوفير الأمن والأمان لشعوبها.
- التركيز على إيجاد أفضل السبل للعمل الجماعي لدعم جهود الأمم المتحدة في التصدي للتحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، وإشراك الدول والمنظمات الإقليمية في عملية صنع القرارات التي تعنيها.
- التبادل الشفاف للمعلومات الاستخباراتية بين الأجهزة الاستخباراتيه الاقليمية والدولية لانجاح عمليات مواجهة العمليات الارهابية قبل وقوعها في اي منطقة بالعالم.
- مراقبة الدول التي تقدم الدعم والتمويل المالي لشراء السلاح للمنظمات الإرهابية أو الأحزاب والجمعيات الوطنية لتحقيق أهداف وأطماع سياسية واقتصادية في سوريا ومصر واليمن وليبيا ولبنان والعراق وغيرها.
إن الإرهاب المتستر بالدين والفوضى المسلحة هو أكبر تحدٍ يواجه العالم بأسره، كما أثبتت ذلك تفجيرات باريس الأخيرة، بعد أن أصبحت له مطالب سياسية كالحرية والعدالة والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير التي لاقت تأييدا ودعما من الديمقراطيات الكبرى، وهذا مازاد الأمور تعقيدا وتصعيدا في الشرق الأوسط منذ الربيع العربي في (2011م)، وكل ما أتمناه أن تصحح أحداث باريس الإرهابية التى دقت ناقوس الخطر الإرهابي في قلب أوروبا نحو رؤية واقعية جديدة لمسار التغيير في الشرق الاوسط، تبدأ بالتعاون الحقيقي لمكافحة الارهاب والتوقف عن اللعب على الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية والعمل على تشجيع سياسة الخطوات الثابتة التى تقوم بها بعض الدول العربية وعلى وجه التحديد دول مجلس التعاون في التحول التعددي الديمقراطي بما ينسجم وظروف كل مجتمع وعاداته وتقاليده ومواريثه.


محلل الشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا