النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عن التنمية والعلم والثقافة!

رابط مختصر
العدد 9722 السبت 21 نوفمبر 2015 الموافق 9 صفر 1437

يقول بعض الاقتصاديين ان الاقتصاد الذي يحتوي على المزيد من الثقافة، فان التنمية الاقتصادية يمكنها ان ترتقي إلى أعلى المستويات، ويمكنها الحصول على التنمية المستدامة.
وبغض النظر عما يطرح من اسئلة حول هذه الرؤية، فان ثمة رؤى اجتماعية تناولت هذه المسألة من منطلق اجتماعي وسياسي.
ومن تلك الرؤى ووجهات النظر يقول المفكر محمد عابد الجابري: فإذا كانت التنمية هي «العلم حين يصبح ثقافة» فان التخلف سيكون هو «العلم حين ينفصل عن الثقافة» او هو «الثقافة حين لا يؤسسها العلم».
ويفسر الجابري ذلك بقوله إذا دققنا النظر قليلًا في واقع البلدان «النامية» – المتخلفة من منظور «التقدم» كما يتحدد اليوم في البلدان المتقدمة حين يندمج العلم فعلًا في الثقافة بمختلف مظاهرها ومستوياتها المادية والمعنوية «التصنيع والتنظيم والتخطيط والعقلانية.. الخ» فاننا سنجد فعلًا ان الظاهرة العامة التي تتلخص في معطيات التخلف في البلدان «النامية» هي انفصال العلم عن الثقافة: عدم اندماجه في حياة المجتمع المادية والفكرية والروحية.
في حين ان ما يؤكد عليه هو ان هذا الاستنتاج لا يعني ان «العلم» غائب عن هذه المجتمعات، بل هو حاضر بدرجة ما وبصورة ما، غير ان حضوره هو من نوع حضور الجسم الغريب لا يؤسسه ولا يتأسس به، انه ليس من نوع حضور الجسم الساري في محيطه، الفاعل فيه والمتفاعل معه.
وعن هذه الوضعية يقودنا الى رأي يقول فيه لنأخذ البلدان العربية مثلًا، وسواء اخترنا منها تلك التي تعاني من وضعية اقتصادية متأزمة تسودها البطالة وضعف القدرة الشرائية وتؤرقها الديون الخارجية او تلك التي تعيش نوعًا من الرفاه الاقتصادي الاستهلاكي بفضل عائدات النفط، فاننا سنجد في كلتا الحالتين ان «العلم» فيها سواء كمعارف أو كتقنيات وآلات، يشكل عالمًا يختلف تمامًا، بل ويتناقض مع عالم الثقافة السائدة: الثقافة بمعناها الواسع الذي يشكل السلوك والتقاليد والنظام الاجتماعي والسياسي والحياة الفكرية العقلية السائدة، والنتيجة قيام المجتمع على كتلة من المفارقات والتناقضات: التناقض بين السيارة التي من آخر طراز (مثلًا) وبين سلوك راكبها الذي مازال يحتفظ في مظهره ومخبره، بسلوك المتباهي المتسابق.. التناقض بين المكتبة الانيقة التي تغمرها الكتب المجلدة «الثمينة» ويتوسطها مكتب فخم واقلام نفيسة: وبين صاحبها الذي لا يدخلها الا حين يريد اطلاع زواره عليها وعلى مفاخرها.. دع عنك المستوى الفكري وطريقة التفكير جانبًا.
فظاهرة انفصال العلم عن الثقافة في المثال الثاني على سبيل المثال يكمن في المكتبة والكتب المجلدة الثمينة والاقلام النفيسة، اما الثقافة فيمثلها صاحبها الذي يتباهى بها دون ان يدخلها أو دون ان يقرأ!.
إذن نحن امام صورة تمثل انفصالا بين العلم وثقافته (المكتبة والكتب والأقلام) وبين الثقافة (الموجهة للفكر والسلوك).
قد نختلف معه أو نتفق، فانه يكمل هذا الطرح «إذا اتخذنا من هذا المثال ( نموذجًا) نقرأ على ضوئه علاقة العلم بالثقافة في مجتمعاتنا، فاننا نصل إلى ان واقعنا المادي والفكري هو عبارة عن نسخ متراكمة من هذا النموذج». ومن الامثلة ايضًا على انفصال العلم عن الثقافة في ميدان الفكر والايديولوجيا له رأي يتناسب مع تلك القضية المطروحة حول أحد مسببات التطرف الديني يقول فيه: ان الاحصائيات تشير إلى ان التطرف الديني عندنا يجد رجاله الصامدين في شباب كليات العلوم والمعاهد العلمية العليا اكثر مما يصادفهم في كليات الدراسات الدينية وكليات العلوم الانسانية الحديثة!.
لماذا؟
وعن هذا السؤال يجيب، لان الكليات والمعاهد العلمية عندنا تعطي طلابها العلم بدون ثقافة، ويأتي التطرف الديني يملأ الفراغ، ليقدم نفسه كثقافة.
ويعني بذلك ان تلك الكليات والمعاهد تقدم لطلابها العلم (قوانين) فقط، وليس كروح علمية تتميز أول ما تتميز بالمرونة والاخذ بالنسبية، والعلم كـ (قوانين) فقط يرسخ في الذهن الدوغماتية والنظرة الحدية المغلقة والشعور بامتلاك الحقيقة، ومن ثمة القابلية، للتعصب والتطرف ورفض الرأي المخالف!.
ويستمر موضحًا هذا الرأي، وإذا اضفنا إلى ذلك ان الثقافة التي يحملها طلاب العلوم إلى كلياتهم ومعاهدهم هي تلك التي تلقوها في البيت والمدرسة والمبنية على التلقين والتلقي والوثوقية، ادركنا السبب الذي يجعل الكليات العلمية والمعاهد المتخصصة التقنية مرتعًا للتطرف الديني وما يشابهه، هذا المثال في الحقيقة يجسد هو الآخر انفصال العلم عن الثقافة في مجتمعاتنا: فالعلم في وادٍ ومن وادٍ، والثقافة في وادٍ ومن وادٍ آخر.
فالمحصلة من ذلك ما لم نعمل على دمج العلم في ثقافتنا وربط ثقافتنا بالعلم فاننا لن نخطو الخطوة الحقيقية الأولى نحو التنمية. أما الغرب فيمكن القول بصدده – وهذا ما ينادي به مفكروه – انه ما لم يعمل على دمج الثقافة الانسانية في العلم وربط قيمه بها فانه لن يكتشف قط طريقة نحو حياة انسانية، حياة تجعل الانسان القيمة الأولى والأخيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا