النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تعديل المادة التاسعة من النظام الأساسي خريطة الطريق نحو الاتحاد الخليجي

رابط مختصر
العدد 9711 الثلاثاء 10 نوفمبر 2015 الموافق 28 محرم 1437

«كل الدروب تؤدي إلى طهران في الأزمة السورية» هي تماماً كما تقول المقولة التاريخية «كل الدروب تؤدي إلى روما» فالامبراطورية الرومانية حكمت العالم القديم وقراره السياسي في تلك الفترة، وها هي طهران في القرن الواحد والعشرين والتي كانت في صراع مع الامبراطورية الرومانية للسيطرة على العالم القديم أو الشرق الأوسط تحديداً، تعمل على استعادة أمجاد امبراطوريتها الفارسية لتمسك وتتحكَّم بخيوط الأزمة السورية وتربطها بعُقد سحرية يصعب تفكيكها عن بقية الأزمات في الشرق الأوسط، بعد أن ضخَّت الأموال الطائلةبشكل لامحدود، وضحَّت بجنرالاتها وخيرة أبنائها وحرسها الثوري في المعارك الدائرة في سوريا والعراق، من أجل تحقيق عالمية وانتشار أهداف الثورة الخمينية في بقاع الأرض، التي عبَّر عنها المرشد الأعلى آية الله الخميني بعد نجاحها بأن (.. إيران ستصدّر الثورة إلى كل العالم حتى يعلم الجميع لماذا قامت الثورة الإسلامية كحل لمشاكل العالم..)، وهي سياسة واضحة وشفافة لا تقبل التراجع بعد كل هذه التضحيات أمام السياسة الأمريكية التي أصابت الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة في المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين بالاحباط والحيرة بسبب التصريحات الإعلامية التي اتسمت بالوضوح التام في محاولة للحفاظ على شعرة معاوية في العلاقات بين الجانبين، وبالغموض في التصرفات الحقيقية خلف الكواليس، أشعرتهم بأنهم أمام سياسة أمريكية جديدة تقوم على (منح إيران دور إقليمي بارز في منطقة الشرق الأوسط، وتقديم الوعود البرَّاقة لدول مجلس التعاون بالوقوف معها أمام الأطماع الإيرانية وعدم السماح لإيران بتهديدها أو التدخل في شؤونها الداخلية).
وفي هذا الإطار توالت وتعدَّدت الاجتماعات الأمنية بين الجانبين الخليجي والأمريكي المخصصة لاحتواء الخطر الإيراني، وكان آخرها في (3 - 4 نوفمبر) الجاري في مقر الأمانة العامة بالرياض، الذي حشد فيه الجانبين الخليجي والأمريكي خبراءهما السياسيين والأمنيين لوضع الخطط الأمنية والدفاعية لكيفية التعامل مع إيران واحتواء تصرفاتها وتهديداتها غير المسبوقة، لتخرج بعض دول المجلس بخفّي حُنين، لعدم قبول الإدارة الأمريكية حتى الآن تلبية طلباتها بتزويدها بالسلاح؛ لربطها هذا الأمر بمدى احترام حقوق الإنسان فيها، كما صوَّت الكونغرس الأمريكي مؤخراً بالموافقة على قرار يطلب من وزارة الدفاع الأمريكية إيجاد مكان آخر لنقل قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي المتواجد في البحرين منذ (يوليو 1995م).
وبقراءة متأنية للمواقف الخليجية تجاه إيران تتضح لنا صورة مشوشة وغير واضحة المعالم، فهناك من يرى أن إيران «دولة صديقة» كما أعلن ذلك صاحب السمو أمير دولة قطر أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث ذَكر أن (.. الخلافات مع إيران هي خلافات سياسية إقليمية عربية إيرانية وليست سنية شيعية وهذا يمكن حله بالحوار والاتفاق على القواعد التي تنظِّم العلاقات بين طهران ودول الخليج على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية..)، ولدى سلطنة عمان علاقات صداقة ذات طابع خاص مع إيران على كافة الأصعدة، ودولة الكويت لا ترى مشكلة في علاقاتها مع إيران رغم ما تم الكشف عنه خلال العام الجاري من ضبط كميات هائلة من الأسلحة المهربة في قضية ما يعرف بـ (خلية العبدلي)، أما الإمارات العربية المتحدة وعلى الرغم من الاحتلال الإيراني لجزرها الثلاث إلا أن لها مع إيران علاقات تجارية على مستوى من التطور، أما المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين فوضعهما مختلف عن بقية دول المجلس لما تعانيان منه من التدخل الإيراني السافر والمستمر في شؤونهما الداخلية، وقيامها بتهريب الأسلحة والمتفجرات وتدريب ودعم العناصر الإرهابية لزعزعة الأمن والاستقرار وإثارة النعرات الطائفية في كلا البلدين.
وأمام هذه المواقف السياسية المتباينة لدول مجلس التعاون البعيدة كل البعد عن الموقف الجماعي، تتأكد للمتابع الحقائق المهمة الآتية:
أولاً: سعي إيران والولايات المتحدة الأمريكية إلى إحداث حالة من الانقسام والشكوك في العلاقات (الخليجية الخليجية) في محيطها الداخلي، بهدف تفكيك وانهيار مجلس التعاون كمنظومة إقليمية لها مكانتها ودورها في المنطقة كآخر منظومة عربية ناجحة ومتماسكة ولها دور مؤثر في الحفاظ على سيادة واستقلال أعضائها الستة.
ثانياً: سعي إيران إلى تأكيد زعامتها لمنطقة الخليج العربي ومحيطه الإقليمي في العراق وسوريا وفلسطين واليمن بعد توقيعها الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1) في يوليو الماضي، ودعوتها إلى إنشاء (منظمة التعاون الاقتصادي بين إيران ودول مجلس التعاون) وهي الفكرة التي طرحها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في القمة الخليجية عام 2007م بالدوحة كبديل عن (مجلس التعاون).
ثالثاً: تراجع أوضاع المواطنة الخليجية والعمل الخليجي المشترك الذي لم يُحقق التكامل الاقتصادي المطلوب بعد مرور أربعة وثلاثين عاماً على إنشاء مجلس التعاون؛ لانشغال جهاز الأمانة العامة للمجلس في (العمل السياسي) بدلاً عن التركيز على (تعزيز النشاط الاقتصادي) الذي هو عنوان وأساس قيام مجلس التعاون، وإيجاد الحلول لتحقيق أهداف وبرامج المواطنة الخليجية، مما كان له أكبر الأثر في عدم إعلان (الاتحاد الخليجي) الذي دعا إليه المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في القمة الخليجية (32) التي عُقدت في الرياض في (ديسمبر 2011م)، تحت أطروحات منطقية جداً تقدَّمت بها بعض دول المجلس بضرورة استكمال المواطنة الخليجية أولاً قبل الموافقة على قيام الاتحاد الخليجي المُخطط له أن يكون على غِرار الاتحاد الأوروبي.
أعتقد جازماً أن أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون على إدراك تام بما يجري حولهم من تهديدات وأخطار تتطلَّب التماسك والتضامن والاتحاد الذي بات حاجة أمنية وسياسية واقتصادية ملحّة في ظل التطورات الخطيرة والأوضاع الأمنية الراهنة التي تشهدها دول الجوار الإقليمي، وتهديدات التنظيمات الإرهابية للأمن في دول المجلس، وما يتطلبه ذلك من ضرورة إرساء قواعد جديدة للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، وزيادة الاندماج الشعبي لمواطني دول المجلس، بما يحقق نمواً في المنافع والمصالح المشتركة ودرء الأخطار والتهديدات المحيطة والمتوقعة إلى حين التوصل إلى الصيغة المناسبة للأمن الإقليمي في المنطقة، فكانت لهم رؤى عميقة تقدموا بها وأقروها في القمم الخليجية السابقة، فهناك أفكار للملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، ودراسة اقتصادية لسمو أمير دولة الكويت وسمو أمير دولة قطر، وآخرها رؤية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين التى بُحثت في قمة الكويت عام (2008م) وتم إقرارها في قمة أبوظبي عام (2009م) وأُطلق عليها (رؤية البحرين)، إلا أن الأمانة العامة وبكامل أجهزتها التنفيذية لم تتحرَّك لتحقيق هذه الرؤى والأفكار على أرض الواقع، فلو تم الاستنارة بها وتنفيذها لما تراجع الأداء السياسي والاقتصادي للمجلس، خصوصاً وأن (رؤية البحرين) قد عالجت الكثير من القضايا التى تنصبّ في تطوير مجلس التعاون وتفعيل أداءه على مستوى العمل الخليجي المشترك لاستكمال المواطنة الخليجية، ووضع الخطط العملية والاستراتيجيات ووسائل تنفيذها على المستويات الأمنية والدفاعية والعسكرية، وكيفية التعامل بسياسة خليجية موحَّدة أمام التهديدات والأخطار التي تحدق بدول الخليج كإيران والحوثيين وانعكاسات الأزمة السورية والأزمة اليمنية، وصياغة التعاون المستقبلي مع المجموعات الاقتصادية الكبرى في آسيا.
لذلك أعتقد بأن جهاز الأمانة العامة - الذي مضى عليه أكثر من أربعة وثلاثين عاماً - بحاجة فعلاً لتحديد الآلية المناسبة لتنفيذ قرارات المجلس الأعلى المتعلقة بالعمل الخليجى المشترك والمواطنة الخليجية، والتي تعتبر تفويضاً صريحاً للأمين العام للمجلس لتنفيذها فوراً دون إبطاء، خصوصاً بعد إقرارها من اللجنة الوزارية المعنية بتنفيذ قرارات المجلس الأعلى والتى عادة ما تعقد اجتماعين فى العام.
ولكي نضع الأمور في موضعها الصحيح، فإن انطلاق مرحلة العمل الخليجي القادمة يجب أن تقوم على أساس إلغاء مبدأ الإجماع لإصدار قرارات المجلس الأعلى في المسائل الموضوعية، وذلك بتعديل (المادة التاسعة) من النظام الأساسي لإنشاء مجلس التعاون التي تنص على أن (تصدر قرارات المجلس الأعلى في المسائل الموضوعية بإجماع الدول الأعضاء الحاضرة المشتركة في التصويت وتصدر قراراته في المسائل الإجرائية بالأغلبية)، وهذا سوف يسرع - بلا أدنى شك - في تنفيذ خطط المواطنة الخليجية المتكاملة، على أن تلتحق الدول التي لا تسمح ظروفها الحالية بالانضمام لاحقاً أو في الفترة المناسبة لها بما يتماشى مع أوضاعها وقوانينها وتشريعاتها الداخلية، كما أنه من الضروري جداً ضخ دماء جديدة ذات خبرة وكفاءة عالية - ترشحها دول المجلس أو يتم استقطابها من سوق العمل الخليجية - لقيادة العمل الخليجي في هذه الفترة الحساسة.
وبهذا يكون مجلس التعاون قد قطع نصف الطريق نحو تنفيذ فكرة الاتحاد الخليجي، انطلاقاً من أن (التكامل الاقتصادي بتنفيذ المواطنة الخليجية المتكاملة) هو خارطة طريق نحو قيام الاتحاد المنشود، على أن يُمنح جهاز الأمانة العامة - بعد ضخ الدماء الجديدة فيه - صلاحيات تنفيذ أنشطة التكامل الاقتصادي وحماية مصالح الدول الأعضاء في المفاوضات التجارية مع دول العالم الخارجي على غِرار ما تقوم به المفوضية الأوروبية في هذا الجانب، ولي معك عزيزي القارئ المزيد من المقالات حول مجلس التعاون قبل القمة الخليجية القادمة بالرياض في ديسمبر القادم.
محلل الشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا