النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

وصفة النجاح

رابط مختصر
العدد 9666 السبت 26 سبتمبر 2015 الموافق 12 ذو الحجة 1436

قال لي أستاذ جامعي ذات مرة إن الحياة عبارة عن مفترق لعدة طرق أمامنا، وعندما نختار واحدا منها فإنه سيفضي بنا إلى طريق آخر، وهكذا، والمهم هنا هو مقدرتنا على التحرك إلى الأمام في كل طريق، ومع ذلك، فإن غالبية الناس لم يفكروا بهذه الطريقة منذ البداية مع الأسف، ولم يحددوا مسارا لحياتهم، وأمضوا جل وقتهم يلتفون حول دوار، كسمكة تمضي يومها جيئة وذهابا في حوض ماء، دون حتى أن ينتبهوا أنهم يراوحون مكانهم.
أتساءل أحيانا عن الأمور اللازمة لجعل حياة شخص ما ناجحة، هناك شيء واحد يمكنني أن أقول بصراحة أنه مشترك بين الناس الذين أعجب بهم، واسمحوا لي أن أقول إنه ليس من الضرورة أن يكون هؤلاء الناس ناجحين في مجال الأعمال التجارية وأصبحوا أثرياء فقط، بل أناس أيضا نجحوا في التغلب على الإعاقة بعزم لا هوادة فيه، وكذلك الذين حققوا انجازات رياضية وثقافية وعلمية مهمة وغيرهم.
هؤلاء الناس الذين يصنعون النجاح في حياتهم هم الذين اتخذوا قرارا بشأن طريق يريدون متابعته وساروا فيه بلا هوادة، مهما كانت العقبات والتحديات.
طيلة حياتنا نجد أنفسنا حائرين بين خيارين: “هل أدرس الفنون أم العلوم؟”، “هل أبقى في بلدي أم أسافر؟”، “هل يجب أن أعطي أولوية أكبر لمهنتي أو لحياتي الشخصية..؟”.
عوامل كثيرة يتوقف عليها اتخاذ خيار وترك آخر، لكن اسمحوا لي أن أقول إن اتخاذ خيار ما ليس مهما بقدر أهمية المضي قدما فيه، فالأهم هنا هو المثابرة والمرونة في المراجعة والتقييم والسعي نحو الهدف بتفاني ودون ادخار أي جهد.
من هذا المنظور يبدو الأسف لا معنى له، فلا توجد وسيلة أفضل لإضاعة حياتك من تقريع نفسك بشكل دائم: “كان يمكن أن أنجح لو أني اخترت دراسة جامعية مختلفة، أو لو أنني انتظرت بضع سنوات قبل الزواج وإنجاب الأطفال..”.
سألت صديقا لي ذات مرة مازحا عن الطريقة المثلى لاتخاذ قرار صعب، فقال “عبر رمي النرد”، لقد كان محقا تماما، إن الأسوأ يحصل عندما لا تتخذ أي قرار، كن جريئا بل ومغامرا في اتخاذ القرار، ثم آمن به، وأعمل بإصرار على إنجاحه حتى النهاية.
مهما كانت درجة صوابية القرار الذي نتخذه، لا شك أننا سنواجه عقبات يبدوا أنه لا يمكن التغلب عليها، وتنهي محاولاتنا في كثير من الأحيان بالفشل. عند هذه النقطة نسبة كبيرة من الناس يصابون باليأس الكامل، ويُقنعون أنفسهم أنهم اتخذوا القرار الخاطئ منذ البداية، أو أنهم رفعوا سقف التحدي كثيرا، أو أنهم ببساطة غير محظوظين.
بالمقابل هناك نسبة صغيرة من الناس يقفون مجددا في كل مرة يسقطون فيها إثر فشل أو هزيمة، وينفضون الغبار من على أنفسهم، ويشحذون هممهم، ويغيرون من أدواتهم وأساليبهم، ويمضون قدما في طريق تحقيق أهدافهم.
أنا أرفض أن أصدق أن هناك بشرا يولدون مع جينات تجعلهم عظماء، فما نراه أن العلماء والرياضيين والفلاسفة والسياسيين الاستثنائيين قد بذلوا كثيرا من الجهد المضني حتى أصبحوا على ما هم عليه من تميز وشهرة.
أفلام هوليوود فقط هي من يقدم أبطالا خارقين للطبيعية دون أن يبذلوا جهدا، يتحدثون ثماني لغات، ويتقنون 12 شكلا من فنون الدفاع عن النفس، ويمكنهم معرفة كل شيء عن شخص ما من نظرة حاذقة واحدة.
يحدث ذلك في خيالات السينما فقط، أما في الواقع فلا وجود للنجاح السهل، وإنما يأتي النجاح نتيجة لآلاف الساعات من التدريب والعمل والجهد العقلي، وتحمل المشقات والنكسات والإحباط.
ألبرت أينشتاين يجسد العبقرية النمطية في القرن الماضي، وهو علَّق على قدراته الخاصة بالقول “أنا ليست ذكيا، أنا فقط لدي القدرة على تجربة حلول لا منتهية للمشاكل”.
هناك خط رفيع بين العبقرية والجنون، المجنون هو من يصر على السير في طريق ما لمرات ومرات رغم حصوله دائما على نفس النتائج الفاشلة، أما العبقري فهو من يتبع في كل مرة طريق مماثلا جدا، ويرفض أن يستسلم، حتى عندما يبدو أمامنا نحن أن هذا الطريق ميئوسا منه.
ليس بإمكان أي شخص الوصول إلى درجة العبقرية أو العظمة، لكن الدرس الذي يمكن أن نتعمله جميعا هو ضرورة التفكير في متابعة الطريق الذي بدأنا السير فيه، وعدم اليأس مهما بدا هذا الطريق صعبا أو مستحيلا.
هناك قيمة كبيرة في الاستماع إلى النصيحة، ولكن يجب علينا الحذر من أولئك الذين يقولون لنا أنه علينا عدم المحاولة ثانية عند أول تجربة فاشلة لنا، كما أنه يتوجب علينا ألا نلتفت للسخرية التي ربما نقابَل بها في حال لم تؤت جهودنا ثمارها على الفور.
يقول الزعيم الهندي العظيم غاندي: “إنهم يضحكون عليك، ثم يغارون منك، ثم يحاربونك .. ثم تفوز!”.
أنا لا أدعي أن كل من يسعى إلى أهدافه بعزم سوف ينجح، بدلاً من ذلك، ما أؤكد عليه أن الشخصية القوية الساعية للعظمة تتسم بالمرونة والسعي نحو الأهداف بإصرار وعناد من دون أي ضمانات للنجاح، أو أي علم مسبق بقدراتها الخاصة أو الاستثنائية. العظمة هي قوة الشخصية التي تستطيع في كل مرة دحر اليأس والحفاظ على الابتسامة.

*الرئيس التنفيذي لشركة بروموسيفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا