النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

رافعة الحرم والتفكير التآمري

رابط مختصر
العدد 9666 السبت 26 سبتمبر 2015 الموافق 12 ذو الحجة 1436

بينما زوار بيت الله تعالى في سعيهم وطوافهم وتلبيتهم ودعائهم ، هوت رافعة على جزء من المسعى والطواف بالمسجد الحرام، بسبب الرياح العاصفة التي بلغت سرعتها 60 كم في الساعة، والأمطار الغزيرة، لتسقط ضحايا: شهداء وجرحى.
وعلى الفور سارعت. حكومة خادم الحرمين الشريفين، بتشكيل (لجنة تحقيق) لمعرفة أسباب الحادثة، ليتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز قرارات فورية حازمة، بصرف تعويضات بالملاين لذوي المتوفين والمصابين ،وتحميل جزء من المسؤولية التقصيرية (مجموعة بن لادن) وإيقاف تصنيفها لحين صدور الأحكام القضائية، وانتهى تقرير اللجنة إلى أن السبب الرئيس لسقوط الرافعة، هو تعرضها لرياح قوية بينما هي (في وضعية خاطئة) مخالفة لتعليمات التشغيل التي تنص على إنزال الذراع الرئيسية عند عدم الاستخدام أو عند هبوب الرياح.
هذه الحادثة المأساوية المؤسفة والتي وقعت مساء الجمعة 27من ذي القعدة 1436هـ الموافق 11 سبتمبر 2015 الواضحة الوقائع، المحددة الأسباب، والمعروفة مسبباتها، والتي لا تحتمل أي  تفسير  أو ادعاء أو مزاعم، لم تسلم  من (فكر التآمر)  وهو (هاجس) لا يزال يحتل مساحة كبيرة من عقول ونفوس قطاع كبير من العرب ـ جماهير ونخباً ـ يفسرون  به ما يحصل في الساحة من حوادث مؤلمة، يحملون مسؤوليتها (الآخر) المتفوق، الذي ـ بحسب زعمهم ـ لا عمل له إلا التآمر عليهم، بهدف التحكم في ثرواتهم ومقدراتهم!
ولشيوع (التفسير التآمري)  أصبح بمثابة (الطبق اليومي) المفضل للعرب والأكثر تداولاً وقبولاً في الساحة الإعلامية، في مقالتي السابقة (هجمات سبتمبر وفكر المؤامرة) وضحت  العوامل التي تساهم في ازدهار شجرة التآمر و ترسيخ جذورها، في الأرض العربية، كما بينت: لماذا يميل الرأي العام العربي وبعض النخب الفكرية والأمنية إلى تصديق أن هجمات  سبتمبر الإرهابية والتي أدمت أنف المارد الأمريكي، وراءها مؤامرة أمريكية أو صهيونية (الموساد) بالرغم من مرور 14 سنة ظهرت خلالها اعترافات المخططين والمدبرين، لكني، لم أتصور ـ مطلقاً ـ أن تدفع أوهام وهواجس التفكير التآمري، أحد أشهر خبرائنا العسكريين والاستراتيجيين، إلى اتهام أمريكا، بأنها وراء رافعة الحرم!!
يرى هذا الخبير العسكري الشهير ـ في مقطع فيديو متداول في المواقع الالكترونية ـ في مداخلة له ، عبر قناة فضائية، أن (رافعة الحرم) سقطت ، بفعل برنامج أمريكي اسمه (هارب) haarp، ينتمي إلى أسلحة الجيل الخامس، وهو برنامج بحثي للطاقة الفعالة ذات التردد العالي، وبموجب هذا البرنامج تستطيع أمريكا أن تتحكم في الطقس والأحوال الجوية في أي مكان في العالم، بإثارة الرياح الهوجاء أو التيارات المدية المدمرة (تسونامي) أو إنزال المطر بكثافة، وكل ذلك تحقيقاً لأهداف سياسية واستراتيجية معينة، وفي ظل هذا السياق، يفسر خبيرنا العسكري، أحداث تسونامي التي ضربت سواحل جنوب شرق آسيا والفلبين وعمان، كما يرى أن سقوط (رافعة الحرم ) إحدى تجارب هذا السلاح (الجيوفيزيائي) الجديد!
لا أريد مجادلة خبيرنا العسكري في فعالية هذا السلاح  وإمكاناته فهو أعلم مني ، وهذا اختصاصه، لكني أتساءل كما تساءل كثيرون ممن شاهدوا الفيديو: ما مصلحة أمريكا أن تسقط رافعة على زوار أبرياء لبيت الله الحرام، وهم من جنسيات شتى، وفي بلد صديق، وخاصة أن ملكه كان في زيارة ودية لها؟ هذا لايتسق مع المنطق أو المصالح السياسية! لماذا لم تجرب أمريكا هذا السلاح المدمر في ضرب دولة معادية مثل كوريا الجنوبية لشل فعالية تجاربها النووية مثلا أو ضد تنظيمات إرهابية تهدد أمريكا مثل القاعدة وداعشَ؟!
أخيراً: ليس الهدف نفي مخططات التآمر، وسواء صدقتها أو لم تصدقها، آمنت أو لم تؤمن بها، لكن:
 1ـ علينا أن نثق في أنفسنا وفي قدراتنا وثوابتنا، كخطوة أولى لتحرير (العقلية العربية) من هواجس وأوهام التآمرالعالمي، نعم هناك صراعات وأطماع دولية، لكن يحكمها منطق (المصالح) لا (التآمر) إذ لا توجد خطط سرية، فكل شيء مكشوف وعلني تقريباً.
 2ـ علينا أن لا نتخذ من (مخططات التآمر) شماعة لتبرير القصور والفشل والعجز والتردي، وإعفاء الذات من المسئولية عبر تحميلها الآخر ، فالقرآن يحملنا المسئولية (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) ويطالبنا بالتغيير (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
3ـ لا يكون الإيمان بمخططات التآمر وأننا كما نردد دائماً (أمة مستهدفة) على حساب تغييب منهج (نقد الذات) والإفادة من الأخطاء ودروس الفشل، وتأجيل معركة (الإصلاح) فما كان الآخر المتآمر ليصل إليك، وينفذ من ثغراتك، إلا بسبب ضعف تحصينك وقلة مناعتك، نتيجة إهمالك منهج الإصلاح الشامل، وعدم ترجمة مفهوم (المواطنة) المتساوية على أرض الواقع، والتمييز بين المواطنين في التشريع والمعاملة، وغياب قيم (العدالة) و(المحاسبة).
4ـ لا يكون الإيمان بفكر التآمر، سبباً في إنتاج وسيادة عقلية (غير علمية) تربط الأحداث بغير أسبابها الحقيقية، فيصعب العلاج وتجاوز المعوقات.
 5ـ لا يكون الإيمان بفكر التآمر، عاملاً في شحن نفوس أبنائنا بـ (ثقافة الكراهية) ضد الآخر الحضاري المتفوق، فنخسر أبناءنا، ونبقى أسرى مقولات التآمر والغزو الفكري والتغريب المعوقة للنهوض والتقدم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا