النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

نعم ندين الإرهاب

رابط مختصر
العدد 9642 الأربعاء 2 سبتمبر 2015 الموافق 18 ذو القعدة 1436

أن تأخذ طريقك سالكاً شمالاً أو جنوباً شرقاً أو غرباً، فأنت حر في أن تبلغ غايتك بأقصر الطرق إليك، لا تحاذر ولا تخشى وعثاء السفر القصير أو الطويل وقد تلجأ بمحظ إختيارك للطريق الأطول بغية تمتعك بالمناظر التي حواليك يميناً أو يساراً وقد تستمتع بالسماع لحديث إذاعي أو برنامج يروق لك... فأنت عموماً في بلادك حر في أن تختار ما تشاء طالما أنك لا تؤذي الآخرين، ولا تسبب إزعاجاً لمن يشاركك في الطريق، لقد عشنا زمناً لم تكن أنوار الطريق مضاءة، بل قد تجد في طريقك حفراً أو مطبات أو شوارع وطرقاً رملية، وقد تجد من يساعدك ويقدم لك كل الخدمات التي تطلبها دون مقابل ودون منة، بل رغبة في تخفيف طول الطريق عليك وشعوراً بالواجب الذي تمليه علينا المواطنة الحقة.
نعم خرجنا يوماً ونحن صبية من إحدى سينمات المنامة، وكان الوقت ليلاً، وانتظرنا عند موقف السيارات بالقرب من بيت الحلال القريب من النعيم بالمنامة، قاصدين البديع في أقصى غرب البحرين، وبعد انتظار طويل وكان هذا في الستينات، لم تمر علينا سيارة أجرة، ولا سيارة خاصة يمكن أن ترأف بنا فتنقلنا إلى حيث نريد. فقرر وقتها عمي صالح محمد بن صالح الذوادي بعد أن تشاور مع صديقه محمد العرفج الدوسري أن نمشي على الأقدام من المنامة إلى البديع وكان الطريق مظلماً وليس كله سالكاً أو معداً للمشاة، ولكن الرغبة في عدم التوقف والانتظار لزمن لا نعرفه كان القرار أن نتوكل على الله، وكان الزمن صيفاً وطريق شارع البديع يمر بالمزارع، والقرى المأهولة بالسكان وعند كل مدخل قرية أما مزرعة أو أشجار النخيل، واللوز، والكنار والتين والرمان وهي تنمو طبيعياً، ناهيك عن روائح الياسمين والرازقي والورد المحمدي وقد تستمع إلى أصوات الطيور والحيوانات الأليفة وبعض الحشرات وخاصة «بوفخيذ» الذي رغم ضآلة حجمه إلا أن صوته ليلاً في غاية القوة. وكنا نسير بتؤدة ولم يخطر ببالنا طول الطريق وما قد ينجم عنه من مخاطر، فقد اكتشفنا متعة السير ليلاً والهدوء يلف المكان من حولنا، ومررنا بجميع قرى البحرين الشمالية من هي على يمين الطريق ومن هي على يسار الطريق ولم نصل إلى البديع إلا فجر ذلك اليوم الذي لا ينسى من ذاكرتنا الشابة وقتها.
عموماً لم نكن نحن استثناء من القاعدة فقد كان الآباء والأجداد يروون لنا هذه القصص المماثلة التي كانوا عليها مشياً على الأقدام في طول البحرين وعرضها وفي أي وقت من الزمن، ليلاً أو نهاراً، وكانوا في كل طرقهم يعرفون الأماكن وقد يعرفون بعض ساكنيها، رغبة منهم في اللجوء إلى أحدهم إن «حجت حجايجها».
الناس كانوا على فطرتهم التي فطرها الله فيهم، وهم أيضاً ساروا على درب من غرس فيهم تربية المحبة والألفة والتعاون للجميع ومع الجميع، فآباؤهم كانوا لا يفرقون بين الناس، والمجتمع مفطور على حب الآخرين والتفاني في خدمتهم وتقديم العون والمساعدة لهم، ومن يلجأ إليهم في الشدة أو الرخاء هو مقدّر ومحترم بغض النظر عن من أي مدينة أو قرية أو فريج ينتمي..
مجتمعنا الآمن المستقر لا يعرف الحقد والكراهية ولا يعرف تكشيرة وتقطيبة الوجه ولا يعرف أن لا يرد عليك التحية بأحسن منها، مجتمعنا لا يعرف سوء الظن بالآخرين بأحكام مسبقة. مجتمعنا لم يعرف العنف في الشوارع ورفع الصوت في الطرق العامة، ولم نعرف المشاجرة أمام مرأى ومسمع الناس الذين نعرفهم أو لا نعرفهم. الناس لازالوا يعرفون بعضهم بعضاً، لازالت لكنتنا وطريقة تعبيراتنا تنم عن أي مدينة أو قرية ننتمي. فنحن لم نتغير، وما تغير هو ما تم استيراده من الخارج سواء من فكر أو قول أو عمل كان من يأتي إلينا يكتشف أننا مجتمع غير ما كان ينوى ويأمل أن يجد له أرضاً يزرع فيها الشر والحقد والضغينة فلا يجد لدسائسه مكاناً فيرجع خائباً غير أننا للأسف الشديد وجدنا من لا يزال يعتقد أن من واجبه أن لا يظل هذا المجتمع في أمنه وأمانه، وأن لا يظل هذا المجتمع يعطي المثل والقدوة الحسنة في السلم والتعايش الإنساني والديني والمجتمعي في وسط أنواء وأعاصير وامراض وعقد نفسية وعنصرية وطائفية بغيضة تملأ أركان بلدانهم، ونصبوا أنفسهم حماة لهذه الأمراض، فأرادوا تصديرها وإشاعتها في مجتمعات أخرى.
نحن دعاة أمن وسلام ونرفض الإرهاب شكلاً وموضوعاً، فالإرهاب لا دين ولا وطن له، والإرهاب لا يعيش في أوطان الرقي والتحضر الإنساني، والإرهاب لا يستقيم مع دعوة الإسلام العظيم للرحمة والرأفة والتعاون وحرمة الدم والعرض والمال. والإرهاب بضاعة دخيلة مغشوشة ومرفوضة في مجتمع البحرين الحريص على الوطن والمواطن، وأصحاب العقول المريضة والنفوس السقيمة والأفكار المأفونة ليس مكانهم أرض هذه الجزيرة الوادعة التي أضافت للإنسانية والبشرية لحظات تنوير حضاري وإشراقة أمل ثقافي مستنير، وغرست أشجار المحبة والأمن والسلام، وضربت أروع الأمثلة في التلاحم والتكاتف والتآلف المجتمعي والإنساني.

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا