النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

خليل الذوادي

كل عاصي من الزمان يلين

رابط مختصر
العدد 9635 الأربعاء 26 أغسطس 2015 الموافق 11 ذو القعدة 1436

الزمان، قد يكون زماني، وقد يكون زمانك، وقد يكون زمان غيرنا، ولكنه الوقت الذي يمضي من بين أيدينا ومن خلفنا، ماذا نقدم له؟! وماذا يقدم لنا؟! قد نقسو، وقد يقسو علينا، قد نكون أبرياء، وقد يكون هو بريئاً، لكننا في البدء والنهاية، لابد لنا من أن نؤمن بأن الأيام كفيلة بحل الكثير من الأمور، شريطة أن نتوكل على الله وأن نعمل من المبررات والحيثيات والمقدمات والمؤخرات ما يقود إلى الخير، ويكف الشر ونخلق من المتغيرات توازناً يعيد لنا تفكيرنا في كثير من الأمور، قد تكون مراجعة للنفس، وقد تكون مكاشفة ومصارحة مع الذات، وفي كل خير...

وأنا أتصفح الوجوه في مجالسنا التي زخرت بها مدننا وقرانا وفي جميع محافظاتنا؛ بالإضافة إلى ممن نلتقي بهم في مناسبات الأفراح والأحزان تقرأ في وجوه هؤلاء الكثير من الدروس والعبر، ويحلق بك الخيال، فتتصور مشاهد بانورامية، وخشبات على المسرح، طبعاً مسرح الحياة، كان هؤلاء يؤدون أدواراً بالغة الخطورة صحيح أن بعضهم كان نجماً وهو بطل الدور بينما الآخرون قد يكونون نجوماً لكنهم لم يقودوا الدور، وقد تجد من بينهم من هو مساند لا تقل أهميته ومسؤوليته عن أي إنسان آخر، فهو له بلا شك تأثير على مجريات الأمور.

صارحت الكثير من أصحاب المجالس في مدينة عيسى والرفاع بالمحافظة الجنوبية عن أهمية أن نستمع لهؤلاء الأجداد والآباء الذين يغشون المجالس ويستمعون إلى الآخرين الذين يقدمون المحاضرات ذات الطابع السياسي، أو الاجتماعي أو الثقافي، أو الاقتصادي أو الوعظ الديني والإرشاد النفسي، وهم من بيننا صامتون يتأملون، ويحترمون كل متحدث، فلا يقاطعون ولا يبدون تأففاً أو تبرماً، ولا تستطيع أن تؤكد أو تنفي إنشدادهم أو صرف أنتباههم عن من يتحدث في شؤون قد تكون بعيدة كل البعد عن ما ألفوه أو تصوروه، ولكنك قطعاً عندما تجدهم وهم يستمعون، ولا ينشغلون كما قد ننشغل نحن بالمسجات، والتويترات والواتس آب فتنزلهم المنزلة اللائقة بهم..

كان حديثي مع أصحاب المجالس أنه مع التقدير لما يطرح من قضايا الساعة في مجالسنا لابد لنا من أن نتيح بعض الوقت لهؤلاء الآباء والأجداد للتعبير عن ذاتهم ومكنون أنفسهم، والإستماع إلى تجاربهم في الحياة وما خاضوه من معارك المعيشة وما واجهوه من متاعب؛ بالإضافة إلى اللحظات المشرقة والمضيئة في حياتهم وليس لنا أن نفترض أن كل ما مروا به مليء بالمنغصات والمنكدات، فقطعاً هناك أمور أدخلت السرور إلى أنفسهم ومروا بلحظات تجلى شعروا من خلالها أنهم يملكون الدنيا وما فيها، وكان شعورهم بالقناعة والرضا لا يعادله شيء. وفي الواقع هذه هي الحياة.

والحمد لله أن أصحاب المجالس اقتنعوا بوجهة النظر هذه والتي شارك فيها الكثير من الأخوان، فكان التفكير والمباركة في الواقع جماعياً وكان هناك شبه إجماع على هذا الرأي، واعتبروا ذلك سنة حميدة وهي من الأمور التي يمكن أن نطلق عليها «بالبدعة المحببة» وبدأنا نستمع إلى هؤلاء الرواد فمنهم من التحق بوظائف حكومية، ومنهم من التحق بوظائف في القطاع الخاص، وشركات ومقاولات، وأعمال حرة، ومنهم من ركب البحر وغاص في الأعماق، ومنهم من عشق الأسفار للتجارة والنزهة ومنهم من قصد بلاد الله الواسعة لارتباط مقدس وهو الزواج، إيماناً منهم بأن الزواج قدر، والخير دائماً فيما اختاره الله. ومن هؤلاء من التحق بأعمال لم تخطر على بالنا، خصوصاً أولئك الذين تغربوا للعمل في الدول الشقيقة أو الدول الصديقة، وقد تفاجأ عندما تعلم بأن البحرينيين كانوا جوابي آفاق وكان القدر قد هيأ لهم أن يطأوا أرضاً لم يتخيلوا أن يصلوا إليها يوماً ، وإذا هم فيها، يعيشون كأبنائها ويتزوجون منها، ولكن الحنين دائماً يشدهم إلى الأرض الأم، فيعودون إليها ظافرين، منصورين ومحملين بتجارب لا تقاس بالذهب؛ فالخبرة اليوم والتجربة لا يمكن أن تقدر بثمن لأنها معجونة بالدم والعرق والضنى والمشقة والآلام والأفراح وكل صنوف التغيرات النفسية والفسيولوجية.

إننا نتعلم من هؤلاء الرجال، وهم في أعمار لم يعد يعنيهم من ملذات الحياة الكثير، وهم في وضع لا يخشون فيه لومة لائم، وقد تستغرب من صراحتهم وشفافيتهم وقولهم الصريح وهم كانوا كذلك في زمانهم مع التقدير واحترام طبعاً للكبير والعطف على الصغير والقول المعقول في المكان والزمان المعقول، لكنهم كما نقول: «ما يخلون شيء في بالهم» يكدر صفوهم وينغص معيشتهم ويدق أسفيناً في علاقاتهم الاجتماعية أو الأسرية.

إذاً­ علينا أن نؤمن بأن كل عاصي من الزمان يلين، شريطة أن نعمل جميعاً على أن لا نترك العاصي يتمادى وينشر شروره على الآخرين، وأن نأخذ بيده إلى طريق الخير والصلاح وإن تمادى فلا تأخذنا فيه رأفة وشفقة؛ لأن خير المجموع مقدم على مصلحة الفرد، والنظرة البعيدة لإستقرار الأوطان وإشاعة الأمن والطمأنينة مقدمة عمن سواها... فالمواطن مهما تقدم به العمر يظل وفياً لتراب الأرض، عاشقاً لناسها متفانياً في تقديم كل ما يزيدها عزة وكرامة وأنفة وإباء وتتطلعاً نحو الغد الأفضل.

هكذا علمنا الأجداد والآباء، وهكذا نقلوا إلينا بكل أمانة وتجرد تجربتهم الغنية في الحياة..

 

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا