النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

مسلمو روسيا.. قصة مسجد ووثيقة

رابط مختصر
العدد 9631 السبت 22 أغسطس 2015 الموافق 7 ذو القعدة 1436

قبل عطلة عيد الأضحى المبارك المقبل، سوف تشهد روسيا حدثًا يحسب المرء أنه مهم لا للمسلمين في روسيا فحسب، بل في العالمين العربي والإسلامي معًا، ذلك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سوف يشارك في افتتاح أكبر مجمع إسلامي في أوروبا بمدينة موسكو، والذي اعتبر في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 أن الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا.
وعلى الرغم من أنه لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة عن عدد المسلمين في روسيا، بحسب الإحصاء السكاني الأخير الذي جرى في عام 2002، فإن عدد الشعوب الإسلامية في روسيا كان يشكّل تقليديًا نحو 10 في المائة من السكان، ويرجح أن تكون تلك النسبة قد ارتفعت في العقد الأخير لتصل إلى ما بين 10 و15 في المائة من إجمالي سكان روسيا، وبذلك يضحى مسلمو روسيا الطائفة الأكبر بعد الروس الأرثوذكس.
وعلاقة الروس بالإسلام قديمة وقوية، ولعل أفضل من عبّر عن الرؤية الروسية للعقيدة الإسلامية وبحق، الروائي والأديب الروسي الكبير ليو تولستوي، ففي رسالته إلى المجدد الإسلامي الكبير الشيخ محمد عبده يقول صاحب «الحرب والسلام»: «إنني أشعر أنني أعتنق دينكم وأعيش به لكثرة ما أتّفق معكم فيه».
ويقرّ تولستوي بأن الإسلام قام بشيء عظيم وهو هداية وثنيين قضوا حياتهم في الحروب والدماء، وأنار عقولهم وأبصارهم بنور الإيمان، وأعلن أن جميع الناس متساوون أمام الله.
يعنُّ لنا أن نتساءل: ما دلالة افتتاح هذا المجمع الكبير للمسلمين في روسيا وأوروبا بشكل عام في الوقت الذي تستشري فيه - أوروبيًا وأميركيًا - إسلاموفوبيا ممجوجة تنظر لجميع المسلمين نظرة نمطية رجعية في غالب الأمر؟
المعنى والمبنى هنا يتّصلان بإمكانية تعايش الإسلام والمسلمين تعايشًا إنسانيًا واجتماعيًا، ثقافيًا وروحيًا، مع الغرب المسيحي، أرثوذكسيًا سلافيًا كان، أو رومانيًا كاثوليكيًا، وحتى بروتستانتيًا أميركيًا، ويعني أيضًا أن الحتمية القدرية لصراع الثقافات والأديان والحضارات لبرنارد لويس في الأصل، وتاليًا صامويل هنتنغتون هي حتمية مجردة، مفرّغة من أي مضمون حياتي حقيقي وبعيدة كل البعد عن تجارب عيش مشترك، فقد عاش المسلمون الروس قرونًا طويلة مع المسيحيين الأرثوذكس، بعيدًا عن ألاعيب السياسة والسياسيين.
يلفت النظر في تصريحات الرئيس بوتين وعيه التام للمؤامرات غير الإيجابية بالمرة، والتي تسعى لتسييس الدين عامة، والإسلام خاصة، وتأكيده أن روسيا لم تعرف الحروب أو النزاعات الدينية، ولترسيخ التعايش الواحد تأسّس في روسيا منذ بضعة أعوام ما يعرف بالإدارة الروحية للمسلمين، وهو أمر يعبّر عن خبرة حقيقية لبناء حضارة فريدة تجمع بين الهويات والقوميات المختلفة، وإن حافظت كل منها على ذاتيتها، لكن مع احترام للآخر.
لقد أدركت العقول الروسية المفكّرة في العقود الأخيرة، أن هناك مناوئين غربيين للسياسات الروسية، يسعون إلى جعل بعض التيارات الإسلامية الراديكالية في البلاد بمثابة حصان طروادة الذي ينفذون منه إلى الجسد الروسي بغرض إضعاف النهضة الروسية البوتينية الجديدة وإنشاء مناطق داخل الأراضي الروسية تجري فيها نزاعات، ولِدقّ أسافين بين مختلف القوميات، وإشعال ميول انفصالية في البلاد.
والمقطوع به أن مسلمي روسيا يلقون احترامًا كبيرًا من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ففي فبراير (شباط) الماضي أقرّت المحكمة العليا في موسكو قانونية حظر ارتداء الحجاب في مدارس «موردوفا»، وساعتها صرّح الأب فيسفولود تشابلين، المتحدث الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية بالقول: «إن حظر اللباس الديني يُعدّ تمييزًا عنصريًا». وأضاف: «عندما يقول أحد ما إن نوعًا من اللباس قانوني وآخر غير قانوني فهذا يُعدّ انتهاكًا وتمييزًا عنصريًا، وعليه يجب تعديل القانون ليسمح للمؤمنين بالتأقلم مع ما يفرضه عليهم نظام لباسهم الديني».
والشاهد أن افتتاح هذا المسجد يُعدّ أمرًا إيجابيًا بدرجة كبيرة، إذ إنه يعكس تجاوبًا من الحكومة الروسية ومن بلدية موسكو تحديدًا لرغبات مسلمي البلاد، والذين تضيق بهم المساجد الموجودة حاليًا في الاحتفالات والأعياد الدينية على الرغم من تخصيص عدة أماكن لأداء شعائر الصلوات.
وفي كل الأحوال يمكن للمرء النظر إلى المقاربات الروسية في تعاطيها مع الإسلام والمسلمين بعين مغايرة عن المقاربات الكولونيالية الأميركية أو الأوروبية، ذلك أن آيديولوجيا التسامح والتعددية الثقافية، تقلّص من مساحات الجفاء والجفاف التي تعتبر الحاضنات الأولى للتطرف ومنبع الإرهاب، عن طريق الرفض والإبعاد والإقصاء أو التمييز.
من هنا يمكن القول، إن التجربة الروسية قد تكون الأنفع والأرفع للغرب، إذ يبدو أن هناك عقدًا اجتماعيًا روسيَّ الهوى والهوية ينتظمها، عقدًا قوامه «احترام الآخر وعدم المساس بعقيدته الدينية»، ولحسن الحظّ كما أسلفنا، أنه اتجاه يلقى احترامًا ودعمًا من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، تلك المؤسسة التي لعبت دورًا مهمًا، بل الأهم في الحفاظ على ملامح ومعالم وهوية روسيا القيصرية طوال سنوات حكم البلاشفة، ومن رحمها وُلد ميخائيل غورباتشوف، ولهذا قصة أخرى.
ماذا عن الوثيقة بعد حديث المسجد؟
في أواخر مايو (أيار) الماضي أحسن جدًا مجلس المفتين الروس بإقرار ما سمّوه «العقيدة الاجتماعية للمسلمين الروس»، ويمكن أن نصفها بأنها رؤية مسلمي روسيا لبلادهم، وقد جاءت حاملة مذاقًا وطابعًا وطنيين، إذ تدعو مسلمي روسيا إلى الولاء للدولة، وهو أمر ذو قيمة عظمى للذين يفهمون، إذ يقطع الطريق على تشكيك المتشككين، وأراجيف المرجفين، بالنسبة لوطنية ومواطنية المسلمين الروس.
الوثيقة التي نحن بصددها رائعة الكلمات، إذ تنصّ على أن «حب الوطن ليس مقبولاً فحسب، وإنما هو فرض من وجهة نظر الأحكام الإسلامية»، وأنه على المسلم أن يأخذ على عاتقه التزامات العقد الاجتماعي الذي ينصّ عليه الدستور الروسي، وأن يكون إنسانًا مسالمًا.
هل كلمة مسالم هذه جاءت عرضًا ومصادفة؟
أغلب الظن لا، فالذين عملوا على بلورة صياغة الوثيقة كان في خلفيتهم الفكرية، أزمة الراديكالية المتصاعدة من وإلى روسيا، فقد أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف وجود نحو 2000 روسي في صفوف «داعش». وعليه، فقد نصّت الوثيقة على أنه «يجب تلافي الحروب كأحد أشكال (الجهاد) بأقصى قدر ممكن، فـ(الجهاد) بشكله الحربي ممكن فقط بأمر من الحاكم الشرعي».
تطرح قضايا المسلمين في روسيا ذاتها على طاولة النقاش الروسي بقوة، وكثير من الأصوات العقلانية هناك تؤكد أن المتطرفين - القلّة - من المسلمين لابد لهم من مواجهة ومجابهة بطرق غير القوة على أهميتها، وعلى هذا يوصي هؤلاء بأن تكون هناك قوة ناعمة أكثر، وبخاصة أن المهم هو الآيديولوجيا العاملة مع العقول.
استقرار وازدهار مسلمي روسيا حُكمًا سيكون له مردود إيجابي جيد للغاية على العالم العربي تحديدًا، وبخاصة في ظل علاقات ناهضة وناضجة من جديد تمتد من موسكو إلى غالبية العواصم العربية، والتي أدركت مؤخرًا أن الروس أناس لا يخذلون أصدقاءهم، بخلاف تجربة العرب مع حلفاء آخرين يعرفهم القاصي والداني وبيّنت التجربة مصداقيتهم من عدمها.

نقلاً عن الشرق الاوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا