النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

«منظمة التعاون الاقتصادي» البديل الإيراني عن «مجلس التعاون»

رابط مختصر
العدد 9620 الثلاثاء 11 أغسطس 2015 الموافق 26 شوال 1436

تمرّ العلاقات الخليجية الإيرانية بمرحلة حسَّاسة ودقيقة جداً، بعد نجاح إيران في التوقيع على الاتفاق النووي مع الغرب، ويبدو أن إيران تشعر بأنه قد آن لها الأوان لتحقيق أطماعها التوسعية في الخليج العربي والتي أعلنها وصرَّح عنها مراراً وتكراراً العديد من قادتها العسكريين والدينيين على مدى سنوات طويلة، مثل وزير خارجيتها «صادق قطب زاده» الذي قال في مقابلة أجراها معه راديو مونت كارلو في «30 أبريل 1980م»: «... كل بلاد الخليج تشكِّل تاريخياً جزءا من الأراضي الإيرانية...»، كما أكَّد رجل الدين «صادق روحاني» في «15 مايو 1980م» «... أن البحرين جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية وهي الإقليم الرابع عشر بموجب الدستور الجديد....»، وادّعى رئيس التفتيش العام في مكتب قائد الثورة الإسلامية «علي أكبر ناطق نوري» عام «2009م» «...بتبعية البحرين لإيران وأنها كانت في الأساس الولاية الإيرانية الرابعة عشر وكان يمثلها نائب في مجلس الشورى الوطني...»،
وحسب تسلسل الأحداث المتسارعة والعلاقات الخاصة التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية بدول مجلس التعاون وعلى وجه الخصوص «المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين» اللتين تشعران بتعاظم الخطر الإيراني في المنطقة وتدخلها في شؤونهما الداخلية، فإن الرئيس الأمريكي باراك أوباما وضع كل ثقل الولايات المتحدة من أجل إنجاح الاتفاق النووي مع إيران، لإعادة ترتيب الأوراق في المنطقة تحت غطاء حملة إعلامية مكثفة وتصريحات في أكثر من مناسبة تهدف إلى طمأنت دول الخليج بأن «الاتفاق النووي سوف يساعد على إيجاد فرص أكبر للسلام لم يسبق لها مثيل في منطقة الخليج، ومؤكداً عبر اتصالاته الخاصة بقادة دول مجلس التعاون وتطمينات وزير خارجيته جون كيري خلال زيارته للدوحة مؤخراً والمخصصة لهذا الغرض بأن «واشنطن تدرك وتتفهَّم المخاوف الخليجية، ولن تسمح لإيران بتهديد شركائها الاستراتيجيين، وستقوم بالدفاع عنهم بتسخير قدراتها العسكرية لمنع أي اعتداء إيراني»، ومن ناحية أخرى عملت واشنطن على طمأنت «إسرائيل» بتعيين وكيلة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية «يهودية الأصل» ووندي شيرمان رئيساً للوفد الأمريكي المفاوض أمام الفريق الإيراني المراوغ، وبالتأكيد فإن هذا الاتفاق لا يمكن أن يهدد الأمن الإسرائيلي الذي هو من أولويات الولايات المتحدة الملتزمة بالحفاظ عليه وعلى إسرائيل من أي اعتداءات خارجية، إلا أن ذلك لم يقنع إسرائيل التي مازالت على موقفها العلني المعارض للاتفاق، لدرجة رفض رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الاجتماع مع الرئيس الأمريكي أوباما إلا بعد أن ينتهي الكونجرس من بحث الموضوع.
وكنتيجة طبيعية للتطورات المتلاحقة في المنطقة، يشهد المراقب أمرين غاية في الأهمية، أولهما يتعلق بالمصالح التجارية الأوروبية، والآخر حول التحركات الإيرانية الهادفة لتحقيق أهدافها ومصالحها السياسية، حيث يتجلَّى ذلك من خلال الآتي:
- الاندفاع الأوروبي نحو الاستثمار الواسع في إيران من خلال الزيارات التي قام بها عدد من الوزراء والمسؤولين الأوروبيين إلى طهران في سباق محموم لإبرام الصفقات التجارية والاقتصادية بعد أن تخرج إيران من عزلتها وتُخفَّف عنها العقوبات ويُرفع الحظر عن أموالها المجمدة وتتسلَّم ما يقارب «30 مليار دولار» بتوقيعها النهائي على الاتفاق النووي، وتستفيد مالياً واقتصادياً من «12 مليار دولار» وكميات الذهب التي تسلَّمتها منذ اتفاق جنيف في «نوفمبر 2013م» بحسب ما أعلن عنه المتحدث باسم الحكومة الإيرانية محمد باقر نوبخت.
- الدعوة إلى بدء حوار إقليمي بين دول المنطقة لوضع أسس «منظمة التعاون الاقتصادي بين إيران ودول مجلس التعاون» وهي الفكرة التي طرحها الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد في القمة الخليجية عام «2007م» بالدوحة.
من جانب آخر، هناك اتصالات دبلوماسية نشطة وواسعة تقوم بها الدبلوماسية الإيرانية لاستثمار التطورات الجارية على الساحة الدولية والإقليمية، مما يؤكد بأن هناك صفقات سرية سياسية يجري التحضير لها في «الغرف المغلقة» من أجل إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية في الخليج العربي بعد التوصل إلى حلول لعدد من الأزمات القائمة في المنطقة، مثل «الأزمة اليمنية» حيث ينتشر الحديث في الأوساط السياسية حول استعداد إيران لوقف دعمها السياسي والعسكري عن الحوثيين وعلي عبدالله صالح نظير إطلاق يدها في سوريا ولبنان، وهذا ربما يفسر أهداف الزيارة التي قام بها «الجنرال قاسم سليماني» قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إلى موسكو في «24 يوليو 2015م»، وما عبَّر عنه وزير خارجية روسيا مؤخراً في الدوحة الذي أكَّد عدم حدوث أي تغيير في موقفهم من «الأزمة السورية»، والزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية السوري «وليد المعلم» للعاصمة العُمانية في «6 أغسطس 2015م» والحديث عن وساطة عمانية حول الأزمة السورية، وتبني مجلس الأمن الدولي في «7 أغسطس 2015م» قراراً يسمح بإجراء تحقيق في هجمات بالأسلحة الكيماوية في سوريا وتحديد المسؤولين عنه، في تحركات مهمة تؤكد قرب نضوج الطبخة السياسية التي تتمحور حول تسليم منطقة الخليج العربي إلى إيران على طبق من ذهب، والاعتراف الأمريكي الصريح بالنظام الديني المستبد «نظام ولاية الفقيه» في تجاهل تام للمعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب الإيراني وما يعانيه من ظلم وقهر واستبداد وانتهاك لأبسط حقوق الإنسان.
إلا أنه من المؤسف أن لا تُصغي الولايات المتحدة الأمريكية - بإرادتها التامة - لحلفائها التاريخيين من دول مجلس التعاون، وتستوعب الهواجس الخليجية حول كيفية التعامل مع تبعات هذا الاتفاق مستقبلاً، خاصةً وأن إيران تعمل من أجل توزيع جديد للقوى الإقليمية على أُسس طائفية بحتة تتيح لها إحكام سيطرتها ونفوذها على القرار السياسي والاقتصادي في المنطقة بحرية تامة.
ويمكن إيجاز ما تسعى إيران إلى تحقيقه فيما يلي:
1. استغلال التغيير الحاد في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، والعمل على ترسيخ الانقسام وإشاعة روح الاحباط واليأس وتراجع الحسّ القومي العربي بعد الثورات العربية الهادفة للتغيير، وما صاحبها من صراعات حادة وانتشار أعمال العنف والإرهاب، والتوتر بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة الأمريكية حول قضايا حقوق الإنسان والتغيير والتعددية والحكم الرشيد.
2. رئاسة العالم الاسلامي كله بإقامة الحزام الشيعي للسيطرة على المنطقة العربية وإدارتها، إلى جانب باكستان وافغانستان التي هي محور مشاكل العالم وتصدير الإرهاب بأنواعه وأشكاله بطريقتها وسياستها الخاصة ووفقاً للمنظور والمصالح الإيرانية.
3. تأكيد مبادئ ثورة الخميني بالتمدّد الشيعي الذي ليس له حدود، خاصة بدول الجوار الإقليمي والدول العربية بشكل خاص لتثبيت نظام «ولاية الفقيه» كنظام إقليمي مُعترف به من قبل الدول الكبرى والمجتمع الدولي وكأحد أسس النظام العالمي الجديد تحت مظلة بديلة عن مجلس التعاون وهي «مجلس التعاون الاقتصادي»، وذلك بحسب ما نصَّت عليه المادة «12» من الدستور الإيراني المعدَّل عام «1989م» التي تنصّ على أن: «... جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة لا يتحملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضاً بحمل رسالة عقائدية، أي الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل توسيع حاكمية قانون الله في أرجاء العالم...»
فماذا يجب على دول مجلس التعاون أن تفعل أمام هذا المَدّ الهائل من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية والإرهابية والاطماع الإيرانية المعلنة؟
سؤال ضائع في ملفات مجلس التعاون وقراراته التي لم ترتقِ حتى الآن إلى تحقيق طموحات مواطنيه بالإعلان عن «الاتحاد الخليجي» الذي هو -وكما أكرَّر دائماً- طوق النجاة المفقود في دهاليز مؤتمرات واجتماعات المجلس التي يجب أن تضع النقاط على الحروف، فالوقت يمضي والأطماع الإيرانية واضحة وقائمة ومفتوحة على الجميع ودون استثناء، خاصةً وأن الرئيس أوباما أقرَّ في الجامعة الأمريكية بواشنطن الأسبوع الماضي بأن «جزءا من الأموال التي ستستعيدها إيران سوف يُستخدم لتمويل أنشطة إرهابية...».

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا