النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

الشرق الأوسط الجديد وثيقة تأمين بقاء النظام الإيراني

رابط مختصر
العدد 9613 الثلاثاء 4 أغسطس 2015 الموافق 19 شوال 1436

وهكذا بدأت صورة (الشرق الأوسط الجديد) في التبلور التدريجي بعد عدد من المؤشرات سآتي على ذكرها في سياق هذا المقال، فبعد الهجوم الإرهابي على الكبرياء الأمريكي في عهد الرئيس جورج بوش بتدمير برجي التجارة العالمية في منهاتن بنيويورك في (11 سبتمبر2001م)، وقيام وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في (أبريل 2005م) بإعداد خطة لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد) كردَّة فعل مباشرة لهذا الهجوم تحت مسمى (الثورة الخلاَّقة) لتحريك الشارع العربي لينفض غبار الأنظمة العربية القائمة بعد أكثر من خمسين عاما لحكم الفرد، وحادثة إشعال المواطن التونسي (محمد البوعزيزي) النار في نفسه في ولاية (سيدي بوزيد) في (17 ديسمبر 2010م) احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية عربته التي كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه ورفض سلطات المحافظة قبول شكواه ضد الشرطية فادية حمدي التي صفعته أمام الملأ، انطلقت (الثورات الخلاَّقة في الوطن العربي) في أزمان متقاربة جداً بشكل متعمَّد ليصبح زخمها مجتمعة أكثر قوة وتأثيراً ولتشعل ناراً لم تزل مستمرة رغم حالة الحذر والترقب القائمة بين الأطراف.
انطلقت تلك الثورات والاحتجاجات بدايةً من تونس في (18 ديسمبر 2010م)، والأردن في (14 يناير 2011م)، وسلطنة عُمان في (17 يناير 2011م)، لتتبعها مصر في (25 يناير 2011م)، واليمن في (27 يناير 2011م)، والبحرين في (14 فبراير 2011م)، وليبيا في(17 فبراير 2011م)، وسوريا في (18 مارس 2011م)، وذلك في تحرّك فوضوي استند إلى شعارات (حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة والفساد والإصلاح السياسي والاقتصادي) وغيرها من الشعارات الفضفاضة التي تهدف في نهاية المطاف إلى تنفيذ مخطط (الشرق الأوسط الجديد) وجعله واقعاً على الأرض، وذلك بإحداث التغيير في الأنظمة العربية التي أصبحت (أنظمة بالية لا تستحق البقاء لأنها لا تعبِّر عن التعددية والديمقراطية ولا تعكس إرادة الشعوب العربية وتطلعاتهم نحو الحرية وبناء دولة القانون والمؤسسات) في نظر الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها الدور الأكبر في تدريب وتمويل وإعداد الخطط والاتصالات مع المجموعات المعارضة لتلك الأنظمة باستخدام أذرع المال السخي لدى بعض دول مجلس التعاون التي كانت تبحث عن دور إقليمي يفوق حجمها وقوتها بعد أن نجح الدهاء الأمريكي في إقناعها بأن صغر حجمها وقلة عدد مواطنيها لا يمنعانها من أخذ دور إقليمي مهم ومؤثر في المنطقة وأن يصبح لها نفوذ وسيطرة وتأثير في توجيه القرار العربي والخليجي، في تصرف تجاوز التقاليد والأعراف الخليجية والعلاقات الخاصة القائمة بين دول مجلس التعاون وكاد أن يعصف به لولا حكمة سمو أمير دولة الكويت الذي قاد تحركاً دبلوماسياً مكوكياً لاحتواء الأزمة وتلافي تبعاتها في فترة تتعرَّض فيها دول مجلس التعاون للعديد من التهديدات المباشرة لكيانها وسيادتها.
إلى جانب ذلك، كان الدعم السياسي العربي لهذه الثورات والذي جاء بناءً على طلب وضغط واتصالات أمريكية بالعواصم العربية، وشاءت الظروف أن تترأس إحدى دول مجلس التعاون اجتماعات الجامعة العربية في تلك الفترة الحساسة التي تمر بها الأمة العربية، وصدرَت عن تلك الاجتماعات تحديداً قرارات دعمت مطالب الشعوب العربية وتطلعاتها للتغيير الذي انتهى إلى ما انتهى إليه من أوضاع غير مستقرة في الوطن العربي حتى يومنا هذا، وإلى ظهور أشكال تفوق التصور والإدراك من أعمال العنف والإرهاب المتطرف لدى السنة والشيعة كإرهاب تنظيم داعش والحشد الشعبي الطائفي العراقي وغيرها من المنظمات الإرهابية في لبنان وسوريا والعراق والبحرين.
وفي إطار التشكيل الجديد للشرق الأوسط استدعت الرؤية أن يكون هناك لاعبون جدد في المنطقة يتم بمساعدتهم تنفيذ النظرية الامريكية المُخطَّط لها بدقة قبل عشر سنوات وفق مقاسات المصالح الأمريكية والغربية، وتمَّ ذلك من خلال مفاوضات مجموعة (5+1) مع إيران التي انتهت إلى التوقيع على الاتفاق النووي المثير للجدل في يوليو الماضي بما يعزز بقائه والاعتراف به كنظام ويبعد الخوف الايراني من الاهداف الغربية في انهائه ومن خطر الصراع الداخلي الذي قد ينفجر في اية لحظة. ويتمحور هذا الاتفاق حول إعطاء إيران الدور الإقليمي النافذ والمسيطر على منطقة الخليج العربي لتستعيد أمجادها القديمة كشرطي الخليج وهو الدور الذي كانت تقوم به في عهد شاه إيران، وإعفاءها من العقوبات الاقتصادية الدولية مقابل تخليها عن برنامجها النووي، ويتضح ذلك من خلال المؤشرات الآتية:
1. استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لكافة وسائل الضغط الدبلوماسي والسياسي من أجل تمرير الاتفاق النووي، كإقناع دول مجلس التعاون في قمة كامب ديفيد (مايو 2015م) بموقف الولايات المتحدة الاستراتيجي، والتزامها بحماية الخليج العربي من التدخلات والمغامرات الإيرانية، أو التلويح باستخدام الرئيس أوباما للفيتو الرئاسي في حالة رفض الكونجرس الأمريكي ذو الأغلبية الجمهورية الاتفاق والذي يتطلَّب رفضه توافق أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ وهذا من الصعب تحقيقه كما قال ميتش مكونيل رئيس مجلس الشيوخ الأمريكي.
2. تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد أمام لجنة الاستماع بالكونجرس الأمريكي التي أفاد من خلالها أن (مستقبل العراق يقوم على أساس تقسيمه إلى دولتين، الأولى شيعية في الجنوب، والثانية كردية في الشمال، نظراً لوجود المقومات الاقتصادية اللازمة لقيام هاتين الدولتين) حسب وصفه، وهذا يؤكد التوجه الأمريكي نحو إعطاء قوة أكبر لحلفاء إيران من الشيعة العرب في العراق ويعتبر تحولاً سياسياً واستراتيجياً في الموقف الأمريكي تجاه دول مجلس التعاون بتجاهل قيام دولة سنية ثالثة بالعراق.
3. الافتتاحية التي كتبتها (فيديريكا موغيريني) الممثلة السامية للمفوضية الأوروبية للشؤون الخارجية في صحيفة الجارديان البريطانية بعد زيارتها لإيران، حيث قالت إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فوَّضوها لاستكشاف سبل يمكن للاتحاد الأوروبي من خلالها الترويج لإطار عمل أكثر تعاوناً يشمل إيران بعد الاتفاق النووي بين طهران والقوى الدولية، وذكرت أن: (التعاون بين إيران وجيرانها والمجتمع الدولي كله قد يفتح احتمالات لم يسبق لها مثيل لتحقيق السلام في المنطقة.. بدءا من سوريا واليمن والعراق..).
إن كل ما أوردته أعلاه يضع النقاط على الحروف، ويبيِّن بما لا يدع مجالاً للشك النوايا القادمة بالتشكيل الجديد للشرق الأوسط، وذلك بإعادة توزيع موازين القوى في الشرق الأوسط والخليج العربي، الذي يعكس رؤية فاشلة ويؤكد -للأسف- أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها من الدول الأوروبية ليست على بيّنة واستيعاب صحيح لسياسات إيران التوسعية والعدائية وتدخلاتها في شؤون المنطقة القائمة على أُسس طائفية واضحة جداً، يثبتها ما تضمنه خطاب آية الله خامنئي الذي يُعدّ أعلى سلطة في الجمهورية الإيرانية خلال عيد الفطر المبارك في (18 يوليو) الماضي إذ قال بشأن الاتفاق النووي ما نصّه: (سواء تم التصويت على هذا النص وإقراره أم لا، فإنه وبحول الله وقوته، لن يُسمح لأحد، بأية حالة من حالات الاستغلال المساس بأصول الثورة الأساسية، وبفضل الله سوف تُصان القدرات الدفاعية والسيادة الأمنية للبلاد... وسواء تم التوقيع على هذا النص وإقراره أم لا، فإننا لن نتخلى عن دعم أصدقائنا في المنطقة وسنواصل دعمنا المستمر للشعب الفلسطيني المظلوم، والشعب اليمني المظلوم، والشعب والحكومة السورية، والشعب والحكومة العراقية، والشعب البحريني المظلوم، والمجاهدين المقاومين الصادقين في لبنان وفلسطين، هؤلاء سيبقون دومًا مورد حمايتنا ودفاعنا عنهم، ... ومع هذه المفاوضات والنص الذي تم إعداده، فإن سياستنا تجاه الإدارة الأمريكية المستكبرة لن تتغير مطلقاً...)، وقد تأكدت هذه التصريحات عملياً تجاه البحرين في محاولة تهريب كمية من المواد المتفجرة والأسلحة إلى البحرين عن طريق البحر التي تم اكتشافها في يوم التوقيع على الاتفاق النووي وكان مصدرها إيران باعتراف المتهمين.
* المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا