النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تغييب الحقوق بمؤشرات السعادة

رابط مختصر
العدد 9608 الخميس 30 يوليو 2015 الموافق 14 شوال 1436

صفحات الجرائد والمجلات وحتى القنوات التلفازية تتسابق لنشر إحصائيات السعادة بين الشعوب؛ درجات السعادة تتفاوت بين شعب وآخر؛ شعب سعيد و شعب أكثر سعادة وشعب أقل سعادة وشعب كئيب؛ هل حقاً يمكننا أن نعمم السعادة على شاكلة الشعوب إعتماداً على درجات الثراء ودرجات الفقر ومؤشرات أخرى معممة خارج ملكوت النفس الخاصة و ذاتية الفرد الفريدة. أليست هذه هرطقة ظاهرها علم و باطنها إستغفال وضحك على مسحة الوجوه وإنتقاص من حرمة العقول؟
السعادة مساحة مقدسة في النفس البشرية في ذات ذاتها الفردية، وهي بمثابة المعبد من النفس؛ لا تطالها أدوات القياس ولا يطالها ذكاء التصنيف؛ إنها مَلَكَةٌ تملكُ الفرد ولا يملكها؛ وهذه الملكة يستشعر بها الانسان ندرته الفردية في الحياة وموقعه في زحمة الناس وبين دهاليز نفوسهم وتنوع مآربهم. فالسعادة أن يشعر الانسان بقيمته في ذاته و بتحققها بذاته؛ إنسان يستشعر قيمته في قلقه، في معاناته، في تضحياته، في عزلته، في تصوفه، في اعتكافه للعبادة الخالصة، في امتلاك خبز يومه فقط لا غير «ـ المسيح: اللهم أعطنا خبز يومنا ـ»، هذه القيمة المحسوسة في مركز وعيه والمغروسة في اعماق لاوعيه هي التي تحدد نهج حياته ومستلزماته السلوكية؛ هذه القيمة يسعى الانسان الى تحقيقها، وهو في هذا السعي قد يتعرض لصنوف المعاناة والآلام، ولكنه يشعر بالسعادة وهو ماضٍ في مسعاه ، لأنه يشعر بقيمته في مسعاه.
المؤمن الصادق بان «الانسان لا حول له ولا قوة إلّا بما شاء الله» يعبر في ذات الانسان عن السعادة؛
سعادة المسيحي في القرون الوسطى أن يتشبه بالمسيح في تعذيب نفسه و العيش حياة الفقر و الالم ...
سعادة الانسان الذي يضع أصابع الديناميت حول خصره ويفجر نفسه، ولقد شاهدت على إحدى وسائط التواصل الاجتماعي أمّاً تجهز إبنها بأصابع المتفجرات حول خصره لكي يفجر نفسه ويحقق بذلك قتل عدد من الأعداء، وكم كانت الأُمُّ سعيدة وهي تبشر إبنها بأنها ستلاقيه في الجنة قريباً (إن شاء الله).
قصة الصموئل اليهودي العربي مع الملك إمرؤ القيس، الذي ضَحَّىْ بإبنه حفاظاً على أمانته أمام الملك، تعبير عن سعادة الصموئل بالمحافظة على قيمته الانسانية.
كل الكائنات سعيدة، مادامت حية، فها هي دُبَيْبَةٌ سعيدة وهي تَدُبُّ زحفاً على سطح ورقة شجرة الى أن يأتي طير سعيد ويلتهمها، الطير و الدبيبة، الآكل والمأكولة، السعادة مُلْكٌ لهما. وتتعدد هذه الأمثلة بتعدد الأحياء من أفراد البشر.
وهذا المنحى الذي تتكشف فيه السعادة لا تستقيم معه مؤشرات تحقيق الرغبات المادية ولا مشاعر الفرح والحزن، لأن تحقق الرغبات ومشاعر الفرح والحزن هي مؤشرات تعبر عن حالات مؤقتة، فبمجرد أن تتحقق رغبة يتحقق معها فرح آني مؤقت ويستقر حال الانسان على ما تحقق وينتفي معه الفرح ويبدأ هاجس رغبة أعلى من سابقتها وهكذا الى ما شاء الله؛ فتحقق رغبة وتتابع الرغبات المتواليات هي نفسها تعبير عن مكنون النفس التي تتحقق قيمتها في هذا المسعى؛ فالكل يسعى في الحياة من أجل تحقيق ما يجب تحقيقه، بغض النظر عن طبيعة الرغبات والآمال، و هذا النزوع الى البقاء حيّاً و تواصل السعي في الحياة هو جوهر السعادة عند الانسان.
يتوقف نبض السعادة في نفس الانسان عندما يشعر بأن الحياة عبث وأن لا مسوغ ولا مبرر للعيش فيها، وهذه هي اللحظة القاتلة للسعادة وعندها ليس امام هذا الانسان إلّا الانتحار؛ الانتحار هو التعبير المباشر والدقيق للإعلان عن موت السعادة عند الانسان. فمادام الانسان يقبل بكامل اختياره ان يواصل الحياة فهو سعيد، لانه يرى قيمة لذاته في هذه الحياة، بغض النظر عن لحظات فرحه وحزنه، قلقه وراحته، غناه وفقره، صحته ومرضه. عندما يشعر الانسان بأنه لا قيمة له في الحياة فإنه يبادر طوعاً الى قطع حبل الوريد بين وجوده والحياة، وهكذا يتوقف نبض السعادة عند هذا الانسان.
مادام الانسان حَيّاً يحيا ويواصل مسعاه في الحياة فإنَّهُ يحمل الأمل على تحقيق قيمته، وهو قانع بأن قيمته، لذاته وبذاته، تتمثل على مدار الساعة في كل خطوة يخطوها ويواصل الحياة بها؛ إنَّ رؤية شمس جديدة صباح كل يوم هي قيمة الوجود في وجدانية الانسان بكل أطيافه المادية والروحية.
إني أرى في موضوعة «مؤشر السعادة» التفاف على موضوعة «مؤشر الحقوق»، فالسعادة حالة قائمة قيام الانسان حيّاً يَسْتَرْزِقُ ويُرْزَقْ، وتتعدد تعريفات السعادة ومفاهيمها بتعدد الانسان في فردية أفراده. لا يمكن قياس السعادة مثلما الامر مع الفرح والحزن، والقلق والراحة؛ وكل مقاييسنا لها لا تخرج عن سياق التقييم النوعي المقارن والذاتي، ويستحيل أن نضع مقياساً كمياً لجميع هذه الحالات، بينما يمكننا أن نحدد قائمة الحقوق بمختلف اطيافها ونضع مقياساً كمِّياً لكل طيف من أطيافه. وهنا بيت القصيد في أمر «مؤشر السعادة» هذا المؤشر المبهم التي يراد له تغييب «مؤشر الحقوق» عن ذهنية الشعوب، وهي مادة دسمة ومخدرة إسْتُحْضِرَتْ في مختبرات الصيدلة الرأسمالية في طورها العصري؛ فهذه الرأسمالية في طور عولميتها تسعى الى حقن الشعوب بمخدرات تنسيها حقوقها و تغير وجهة وعيها الى أفكار هلامية فضفاضة لا يمكن تحسس سطوحها و تلمس مفاصلها واستبصار كنهها، وهكذا تولدت من مختبراتها أفكار ومفاهيم هلامية على مستوى العالم بشعوبه ودوله.
وإذا ما تَبَصَّرْنا بإمعان في مسميات الشعوب وتوزيعها القياسي التعسفي على قائمة «مؤشر السعادة» نستطيع أن نستشف الى درجة الشم الذي يزكم الأنوف وجهاً عنصرياً خفيّاً ناعماً يَدُبُّ دبيباً الى عمق النفس كي يتمكن منها ويعشش فيها ويتحول الى قناعة راسخة في العقل الباطن عند الانسان، ومع هذه القناعة تتأرجح مجسات الوعي وتتذبذب البوصلة في تحديد وجهة الحقوق التي تُغَيِّمُ عليها مفاهيم السعادة؛ هذه «السعادة» التي يسعى أصحاب مؤشراتها الى تعطيل عجلة الحقوق والمحافظة على الوضع الراهن خدمة لأسياد الوضع القائم، وحتى أن بعض الحقوق التي حققتها البشرية لغالبيتها يمكن التراجع عنها في ظل ذهنية مخدرة بمفاهيم ملتوية تلوي وجهة الحقوق عن مسارها في خطوات الى الوراء.
خلاصة الطرح والنقد لموضوعة «مؤشر السعادة» هي أن كل إنسان متمسك و مُصِرٌّ بالبقاء حيّاً رغم معاناته و ما قد يلاقيه من ظلم وإضطهاد فهو سعيد، وأن هذه السعادة هي القرين لروح الحياة، وهي ليست مشاعة لمفاهيم وتعريفات خارج ذات الانسان الفرد، السعادة مَلَكَةٌ فردية مع بقاء الفرد حيّاً؛ ولكن السؤال الجوهري بخصوص الانسان، وعلاقة الانسان بالانسان، والذي يمس أساس إنسانيته هو: هل يتمتع هذا الانسان بكامل حقوقه الطبيعية والمدنية، وبالمحصلة حقوقه الانسانية؟ فدعونا من «مؤشرات السعادة»، ودعونا نبحث عن «مؤشرات الحقوق».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا