النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

الإعلام والإرهاب

رابط مختصر
العدد 9588 الجمعة 10 يوليو 2015 الموافق 23 رمضان 1436

إختلط التوجس من الإرهاب بتنفس الهواء، مثل الهواء الذي نستنشقه في كل لحظة على مدى الحياة الباقية، كذلك الاٍرهاب أصبح مادة لاسماعنا في كل لحظة من حاضر أيامنا، والاعلام هو الوسط والوسيط الذي يطرق ابواب سمعنا ليلا نهارا عن جند الاٍرهاب وصولات الاٍرهاب من قتل وتدمير وزلزلة لعروش الحكم وتفكيك لكيانات الدول وتفريغ المجتمعات من ابنائها، وجند الاٍرهاب يتفننون ويبتكرون أساليب متطورة في أنماط الترهيب والتفكيك والتدمير، بينما الاعلام الرسمي والشعبي يغذي المجتمعات والناس بما يفعله وينجزه جند الاٍرهاب، وكأن هذا الاعلام هو الوسط لنشر الدعوة الإرهابية، ولا غرابة في ذلك عندما نسمع من الاعلام ذاته عن الذين يدخلون في صفوف جند الاٍرهاب وانتصارات مدافع الارهاب، فهذه المؤسسة الإرهابية آخذة في التوسع جنداً وحضانةً، بينما الاعلام يصرخ انيناً من الاٍرهاب ويستصرخ الشعوب والدول لفعل شيء مجدٍ ومؤثر لكبح جماح هذا الاٍرهاب إن لم يكن بالإمكان قطع الهواء عن نَفَسِهِ، هذا هو حال الاعلام مع صولات الاٍرهاب، الاٍرهاب يتوسع في صولاته والاعلام يستمر في تغذيته لبنية الاٍرهاب، كان ذلك بعلمه او بجهل منه، لا ندري.
لقد أوضحنا في مقالات سابقة بأن الاٍرهاب وسيلة وليس هدفاً وأن العقول التي تخطط وتدبر، والايادي التي تنفذ، تهدف الى تحقيق مشروع كبير، ولا يمكن لهذا المشروع أن يتحقق إلّا بالأساليب التي يراها المخططون المتمصلحون، وهذا المشروع ومنذ ما يزيد على الثلاث سنوات وهو آخذ في التوسع على الارض والاستزادة من الجند والحواضن، هذه حقائق تؤكدها صولات الكر والفر على رقع متعددة من أراضي دولٍ ذات سيادة، وهذا الكر والفر آخذ في التمدد الى رقع كانت بالأمس آمنة مطمئة.
إن النهج الإعلامي السائد والذي يصرخ ليلا نهارا مندداً بالارهاب، فانه بهذا النهج اليتيم، الذي يفتقر الى استراتيجية وطنية شاملة، مدروسة فاعلة متكاملة، إنما يطعم الاٍرهاب «المشروع الكبير» بنشر دعوته ودفع النشئ من الشباب للتوجه الى صفوف جند المشروع الكبير، وإغراء أصحاب المال والجاه بفتح خزائن الدعم والمال له، ودفع المجتمعات لتكون حواضن للمشروع، هذا المشروع الذي لا يفرق بين «سينٍ» و»شين»، بين مذهب ومذهب، بين دين ودين، بين بدوٍ وحضر، بين دولة ودولة، فالكل مستهدف الى أن يتحقق مخطط المشروع الكبير وهو يجدّف في قارب يسبح على نهر من الدماء والمعاناة ودمار المؤسسات، وعندها يكون لكل حادث حديث، إن بقى للمنطق وللحق حديث.
إن حلقة الوصل والقناة الناقلة فكراً ودعوة هو الاعلام بمعناه الشامل وبمكوناته المتعددة والمختلفة، فالمكون الإعلامي ليس حكراً على الدولة، بل أن هناك شريكا طبيعيا مجتمعيا يتمثل في ما تقوم به المؤسسات المدنية والدينية ودور الأفراد في نشر المواد الإعلامية ذات الطابع الترويجي لافكار الاٍرهاب والتحريض، الاعلام الرسمي يكاد أن يكون جزيئاً في مجمل البناء الإعلامي، وأقل تأثيراً وفاعلية، إضافة إلى أن هذا الاعلام الرسمي هو بذاته في حالة تلاطم وتناقض لا يمكنه أن يكون وسطاً ووسيطاً في معترك المواجهة مع دعوات الأسلوب الإرهابي الذي يعتمد الترهيب والتكفير في مسعاه الحثيث لتحقيق المشروع الكبير. وسطاً إعلامياً بسيطاً في مادته، دون جهد مضنٍ ودون مالٍ ذي شأن هو الملصقات الصغيرة المنتشرة في كل المكاتب الحكومية ومكاتب المؤسسات غير الحكومية وعلى قوارع الطرق، وإينما وليت وجهك رأيت ملصقاً يحمل رسالة بسيطة موجزة مغزى مفادها «التحريض والتكفير وشرذمة المجتمع وتشطيره»، وهذه وسائط ووسائل منتشرة ومؤثرة كالنار في الهشيم دون حسيب ولا رقيب، وهذه الملصقات هي طوبٌ من بنيان إعلامي مجتمعي مدني ديني على طول البلاد وعرضه، حتى صياغة الكلمات والمقالات والرسائل المبثوثة، عبر الصحف والاعلام الرسمي، من الأفراد ومن هذه المؤسسات غير الحكومية تستطعم منها نكهة التحريض والدعوة الى شاكلة الاٍرهاب، فأين جحافل الاعلام الرسمي لدول ذات سيادة أمام هذا الاعلام الموازي «غير الرسمي» لها والأكثر فاعلية وتأثيراً، بينما الاعلام الرسمي يُؤَذِّنُ في خرابة.
نحن إذاً امام مهمة إعلامية كبيرة ذات طابع وطني مصيري ومهمة استراتيجية هادفة فاعلة، ومسؤوليتها لا يمكن إلّا أن تكون معهودة، في هذه المرحلة المصيرية الحرجة والخطرة، الى الدول أصحاب السيادة والنفوذ والقدرة اقتداراً فاعلاً. لا يمكن ترك حبل الاعلام على غارب الأحداث والمستجدات وأهواء القائمين «أفراداً مسؤولين» على مفاصل الاعلام ورسالته وأهدافه. من الواضح حسّاً وفكراً واعياً أن ماكينة الاعلام تفتقر إلى إستراتيجية وطنية شاملة نابعة من نتاج دراسة واعية للواقع الموضوعي حتى يمكن لهذا الاعلام أن يتحسس مساره في معركته ضد الاٍرهاب «المشروع الكبير»، وأن لا يكون هناك إعلام موازٍ، غير الرسمي، يصدح خارج السرب الذي خطته الاستراتيجية الإعلامية الوطنية الشاملة.
إن اعتماد استراتيجية إعلامية وطنية شاملة، بموازاة الإجراءات الأمنية والسياسية الاخرى، هو الدعم الفاعل والفعّال في المعركة المصيرية ضد الاٍرهاب ومنابع الدعم المادي والبشري والتبشيري لهذا الاٍرهاب الآخذ في الانتشار والتثبت على الارض.
هذه الاستراتيجية الإعلامية الوطنية الشاملة من الواجب أن لا يختلط فيها الحابل بالنابل، بأن لا تكون تكميماً للأفواه الوطنية المخلصة التي تجتهد بالفكر والقلم من أجل وطن يحتضن الجميع من كل الأعراق والأديان والمذاهب، دون تفريق ولا تفضيل، وأن عماد الوطنية هو أن الوطن للجميع، لا ترهيب ولا إقصاء ولا تكفير، بل عمل وبناء من أجل وطن آمن عزيز، تحترمه كل الدول والشعوب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا