النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

حلاة الثوب رقعته منه وفيه

رابط مختصر
العدد 9586 الأربعاء 8 يوليو 2015 الموافق 21 رمضان 1436

تأملت هذا القول، حاولت أن استفسر من الآخرين عن ظروف مناسبة هذا القول، فوجدت أن التفاسير كثيرة طبقاً للحالات التي يمر بها المرء، وفعلاً هي هذه حالات المثل الذي يطلقه من سبقونا تجربة، وخبرة، ومعايشة فهو يصلح لكل زمان، ومكان، كما هو صالح لمواقف متعددة، متفقة أو متباينة «فحلاة الثوب رقعته منه وفيه» أطلقه البعض على زواج الأقارب، كما أطلقه البعض على التقرب من الجيران أو التقرب من أهل الحي، أو التقرب من أهل الوطن الواحد، والبعض ذهب إلى مدى أبعد يشمل الخليج العربي أو ربما الوطن العربي، وهذا التقرب طبعاً يأخذ أبعاداً كثيرة وشتى، فنحن في زمن نحتاج لأن نكون أكثر صراحة وشفافية في وسط تحديات من كل جهة، وبأنواع مختلفة تشتد وتقوى مع ضعفنا وقلة حيلتنا.
كان الأجداد والآباء في مهنهم وأسفارهم يؤمنون بأن حلاة الثوب رقعته منه وفيه.. أعتقد أن الأمر يحتاج إلى إيضاح أكثر قليلاً، فمعلوم أنه في زمن العيش البسيط لم يكن الرجل أو المرأة يكدسون الملابس في الخزائن كما نشهده اليوم، فنحن في زماننا لا نرتاح إلا حينما تمتلئ خزائن الملابس عن بكرة أبيها، فهذه ملابس «للطلعة»، وتلك للمناسبات الرسمية أو الاجتماعية وتلك للزينة والتباهي والمفاخرة حتى بتنا، وأتحدى أن يعرف الواحد منا كم عنده من الملابس، بل أن بعضها لم تطله أيدينا ولم يتشرف الجسم بالتدثر به. أما من سبقونا فقد كانوا يكتفون بأقل القليل، وعندما يتعرض الثوب الرجالي أو النسائي للتمزق، فكان الحل هو «ترقيع الثوب» من نفس القماش، وعادة تكون هناك قطعة من الثوب زائدة «مكفوسة» يستفاد منها وقت الحاجة، ولذلك فإن «الرقعة» تكون منسجمة مع لون وقماش الثوب «المرقوع» ومن هنا تم إطلاق المثل...
الله ما أحوجنا اليوم إلى أن نكون مثل أولئك الرجال والنساء الذين آمنوا بالتواضع طريقاً إلى قلوب الآخرين، ووثقوا بأنفسهم وبقدراتهم فلم تغرهم المظاهر الخداعة، والتصنع في إخفاء العيوب، والضعف الإنساني وتحملوا شظف العيش، وتقاسموا اللقمة، وتعاونوا في بناء بيوتهم وتعاونوا في مساعدة المقبلين على الزواج أو بناء حظور السمك أو إنشاء «العرشان» و«البرستية»، و«الكبر»، وأقالوا عثرة المعسر، وخففوا على المريض وواسوا المكلوم، وزاروا الأهل والأصدقاء والمعارف... وعاشوا في الفريج حماة له، وصانوا أعراضهم وحافظوا على حقوق الجار، وشعروا أن أبناء جيرانهم أبناؤهم... تبادلوا أطباق الطعام، بل كانوا يستعينون ويستعيرون فيما يدخل في صنع الطعام من مواد أولية «كالسكر»، و«الملح»، و«الليمون الأسود»، و«الأبزار» و«الكركم»، وأحياناً الحطب إذا كان الطباخ على الطريقة التقليدية ولم يكن في ذلك عيب أو نقيصة أو مثلمة، بل يتم ذلك بأريحية ونفس رضية قانعة، لأن التبادل سيكون بينهم حتمياً طال الزمان أم قصر..
لا نقول ذلك تغنياً لماض لا نخجل أن نقول «جميلاً»، فقد كان شعور الجماعة سائداً، والإيمان بأن الناس لبعضهم بعضاً كان راسخاً وحتمية التعاون والتضامن الاجتماعي كان نبراساً لهم للتغلب على قسوة الزمان وتقلب الأيام..
ما أحوجنا اليوم لأن نتواضع قليلاً وما أحوجنا ان نعيد على مسامع أولادنا وأحفادنا قصص الماضيين وسعيهم الدؤوب للقمة العيش، وحرصهم على أن يمدوا أرجلهم على قد لحافهم، فقد استشرت فينا أمراض التفاخر والتظاهر، لا نريد قطعاً أن نعيد عقارب الزمن، ولكننا في وقت يجب علينا أن نعد أنفسنا للمستقبل، وأن نكون واقعيين في تناول قضايانا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالوطن بحاجة إلى أبنائه، بحاجة إلى الأيادي التي تعمل بصمت، وبدقة متناهية وحرص على الإنجاز والتفاخر والتباهي به.
نحن كمواطنين بتنا مسؤولين عن بناء الوطن، وتجنيبه الأعاصير والأنواء والتقلبات، ونحن مسؤولون عن ضمان مستقبل الأجيال وتوفير العيش والكرامة لهم... فالوطن عزيز، وكل واحد منا له دور في وضع لبنة في صروح مشاريعنا وتنميتها... ولا يمكن أن نكون عالة على غيرنا أو أن نستجدي، لا سمح الله، الغرباء، نتعاون نعم، نتبادل المنافع والتجارب نعم، ولكننا يجب أن نكون أقوياء، ومنطقنا يكون عن قناعة ذاتية راسخة بقدرتنا على صنع مستقبلنا بأيدينا، فالشعوب القوية هي التي تمتلك ناصية قرارها وهي التي تتعاون من منطلقات قوة الدفع الذاتي نحو البناء والتعمير ولا يكون ذلك الإ عندما نؤمن جميعاً بأننا على قلب رجل واحد دافعنا الخير والعطاء الإنساني الراقي وحب الوطن وأهله وبذل الغالي والنفيس من أجل رقيه وتقدمه وقطعه الأشواط الكبيرة نحو مراقي النهضة والتقدم، عندها نطلق النداء الذي أطلقه من قبلنا «حلاة الثوب رقعته منه وفيه».
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا