النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

الجمعيات السياسية.. والانتحار البطيء

رابط مختصر
العدد 9578 الثلاثاء 30 يونيو 2015 الموافق 13 رمضان 1436

كما ذكرتُ في مقالي السابق أن من يكتب في الشأن المحلي هو كمن يمشي حافياً على الجمر وعليه أن يتحمَّل لهيب النار الآتية من المعارضة و«الموالاة» إن صح التعبير، ولو أنني أنأى بنفسي عن هذا التصنيف، لما تعرَّضت له من هجوم حاد بعدما رددتُ على الكاتب هاني الفردان في مقالي المنشور في صحيفة الوسط (العدد الصادر يوم الخميس الماضي 25 يونيه 2015م)، وما تضمَّنته ردود الأفعال من تعليقات حادة وصل بعضها إلى حَد الاستهزاء وكأنني جئت من (كوكب آخر) وهي عبارة جاءت في إحدى تغريدات معالي وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة على صفحته في توتير في فترة ماضية وكان لها مالها من ردود فعل في حينها.
وما أريد قوله في هذا المقال التابع لمقالي السابق (كيف يصبح الحكم على علي سلمان طريقاً لاستكمال الاصلاحات الوطنية)، أن الجمعيات السياسية المعارضة وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على الأحداث المؤسفة التي شهدها الوطن في (فبراير 2011م) والتي رفعت مطالبات وطنية للإصلاح والتحديث ثم انحرفت عن خطها الوطني بسبب إيران التي عملت بأذرعها الطويلة في الداخل وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي لدول مجلس التعاون والشيطان الأكبر لإيران على استغلال هذه المطالب تحت شعارات (موجة الربيع العربي) التي مرَّت بالمنطقة العربية في تلك الفترة، وتوجيه هذه الحركة الوطنية لتحقيق الأهداف الإيرانية الشيطانية في السيطرة السياسية والدينية على منطقة الخليج العربي ودوله.
ولو نأى هذا الحراك الوطني بنفسه عن الدعم الإيراني وتوجيهاته، ولو استجاب بقلب مفتوح وبلا تردّد وتذبذب في المواقف إلى مبادرة سمو ولي العهد التي طرحها منذ (18 فبراير2011م) لما تعقَّدت الأمور ووصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.
برأيي أن الجمعيات السياسية بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها أخفقت أيّما إخفاق في التوصل إلى علاج ناجع لمواقفها خلال الأزمة، وفشلت فشلاً ذريعاً في ممارسة دورها الصحيح في البرلمان وخارجه، وأصرَّت جميعها –ومازالت- على الانتحار البطيء، ولم تستطع أن تعالج مواقفها المصابة بحالة من الجمود والانفصام والضياع في دهاليز ومناورات العمل السياسي والبرلماني.
فقد انسحبت (كتلة الوفاق النيابية) والتي تمثّل التيار المعارض من مجلس النواب في (17 فبراير 2011م)، وأعلنت انسحابها من (حوار التوافق الوطني الأول) في (17 يوليو2011م) بحجة أن هذا الحوار (لن ينتج عنه حل سياسي جذري بل أن مخرجاته معدَّة سلفاً وستزيد من تعقيد الأزمة)، كما علَّقت مشاركتها في (حوار التوافق الوطني الثاني) في (18 سبتمبر 2013م) بحجة (عدم جدّيته وبسبب واستمرار الانتهاكات ورفض الحكم الالتزام بما ألزم نفسه به).
أما بقية الجمعيات السياسية الأخرى ك (جمعية المنبر الوطني الإسلامي، وجمعية تجمع الوحدة الوطنية، وجمعية الأصالة الإسلامية..... وغيرها) فقد تبيَّن حجم تأثيرها على المجتمع البحريني من خلال نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فلم تحصد سوى أربعة مقاعد من أصل أربعين، وهي التي شاركت بـ (27 مرشح) يمثّل (18 دائرة انتخابية)، مما يعني السقوط المدوّي لتلك الجمعيات بسبب عدم قناعة الناخب البحريني الواعي بها، وفشلها في تشكيل قوة وحضور يمكن أن يُحسب له صوت وموقع تحت قبة البرلمان، ولتشكِّل هذه الانتخابات أشد ضربة تتعرض لها (جمعية تجمع الوحدة الوطنية) تحديداً، لقيادة ذلك التجمع للجماهير الغفيرة في (فبراير 2011م) ومثَّلهم في الإعلان للعالم أجمع عن وجود حراك بحريني وطني خالص يرفض المساس بوحدة الوطن وسيادته ويرفض تدخل الغير في شؤونه الداخلية.
وعندما أقول أن الجمعيات السياسية بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها مازالت مصّرة على الانتحار البطيء، فإن ما يدفعني إلى ذلك تصريحات (إبراهيم شريف) الأمين العام السابق لجمعية العمل الوطني الديمقراطي والمنشورة عبر صحيفة الوسط بتاريخ (22 يونيو 2015م) والذي تصورت أن سنوات سجنه الأربع قد صحَّحت أفكاره بما ينسجم مع الظروف الحالية التي تمر بها البلاد والتهديدات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط عموماً والخليج العربي على وجه الخصوص، إلا أنه بيَّن من خلال تصريحاته إصراره على (وثيقة المنامة) التي اعتبرها طوق النجاة لحل الأزمة السياسية في البحرين وسيتحرك في الفترة المقبلة وفق الخطوط التي رسمتها هذه الوثيقة التي يمكن أن تجمَع كل أطياف المعارضة البحرينية تحت ظلها بحسب زعمه، وبأنه يمد جسور التفاهم (ليس مع الجمعيات السياسية الأخرى التي توصف بجمعيات الموالاة) بل مع القوى السياسية المعارضة المختلفة فيما بينها على الوثيقة موضحاً بأن خلافها ليس في جوهر الوثيقة بل في شكل النظام السياسي وفي التكتيكات التي تُوصل كل فريق للهدف النهائي.
وفي الجانب الآخر، وبعد أن أعلن الشيخ عبداللطيف المحمود عن استقالته من رئاسة تجمع الوحدة الوطنية في شهر مايو الماضي بسبب الخسارة التي مُني بها التجمع في انتخابات (2014م) وعدم تمكنه من تحقيقه أي انتصار يُذكر رغم الزخم الإعلامي الذي صاحب الحملات الانتخابية لمرشحيه والادعاءات باكتساح الساحة السياسية والثقة بتحقيق الانتصارات المدوّية، نجد أن الشيخ المحمود يعود مرة أخرى رئيساً لهذا التجمع بالتزكية ورغم إحباطات جماهيره التي كانت تتوسَّم فيه الحِراك الفاعل مع قضايا الوطن والمواطنين، ورغم انقسامات بيته الداخلي -باعتراف المحمود نفسه- والذي كان له الأثر الكبير في ولادة (ائتلاف شباب الفاتح) بعد أن خاب أمل مجموعة من شباب التجمع وإحساسه بالفجوة العميقة واليأس من إمكانية التطوير والتغيير وصولاً إلى توافقات تنهي الأزمة السياسية من خلال هذا التجمع.
لذلك وبعد مضي أكثر من أربع سنوات على الأزمة السياسية في البحرين، وبعد أن أظهر شعب البحرين قوة تحمّل وصبر على كل ما مرَّ به من احباطات ويأس لإنهاء الأزمة ومعالجة ما ترتّب عليها من تداعيات، وبعد الانتحار البطيء للجمعيات السياسية بكافة توجهاتها، فإنه يجب علينا جميعاً البحث عن الأسس المشتركة التى تجمعنا للمضي يداً واحدة لبناء المستقبل الذي يتمناه كل بحريني أصيل محب لهذه الأرض، ولن نستطيع ذلك إلا بما يلي:
1. احترام سيادة القانون والحفاظ على الأمن والسلم الأهليين.
2. الإيمان بأن البحرين لن تكون محل للمساومة على الإطلاق ومهما كانت الظروف.
3. خَلق التواصل الفعّال بين مختلف الفعاليات الوطنية للمشاركة في الانتخابات النيابية القادمة وبحث كافة المطالب الإصلاحية والقضايا الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت قبة البرلمان التي هي المكان الطبيعي لإعلان ودراسة وبحث جميع تلك المطالب.
4. النأي بالوطن عن كافة التدخلات الخارجية في الشأن الوطني الداخلي من أي جهة كانت سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو إيران أو غيرها.
وأكرر بأنني أتفق تماماً مع الفقرة الواردة في تقرير بسيوني التى أشارت إلى أنه لو قبلت الجمعيات السياسية المعارضة بمبادرة ولي العهد لتمكَّنت جميع الأطراف من تحقيق كافة التطلعات المشروعة في الإصلاح والتحديث التي هي أساس المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى والذي أقره شعب البحرين بنسبة (98.4%) بالتصويت على ميثاق العمل الوطني في (14 فبراير2001م).
وأعتقد بأن التاريخ بأحداثه الجسام والمتسارعة قدَّم ومازال يقدّم لنا دروساً عظيمة لما يجري حولنا من كوارث سياسية وأمنية مرَّت وتمر بها الدول المحيطة بنا التي انهار بعضها، وتدمرت البنية التحتية واشتد وطيس الصراع بين أبناء الوطن الواحد لبعضها الآخر، وتحكَّمت في سيادتها وقراراتها الداخلية دولاً أخرى.
لذا علينا أن نأخذ العِبَر مما يحدث حولنا من صراعات وكوارث، ونكون سد منيعاً أمام كل من يحاول المساس بوحدتنا الوطنية وسيادة وطننا واستقلاله من خلال المراجعة الدقيقة والموضوعية والشفافة لحسابات الربح والخسارة للسنوات الأربع الماضية، فماذا حققنا خلالها؟ وماذا نريد من إصلاحات لبناء مستقبلنا وتحقيق أهدافنا الوطنية؟ وذلك كله لا يحتاج منا إلا الجلوس معاً بقلوب جديدة ومفتوحة تدرس وتقرأ كل الخطوات والمبادرات والأفكار التي لا بد أن تُطرح من خلال القنوات الدستورية الشرعية المتاحة والعمل على تطوير تلك القنوات خطوة خطوة، فلا يمكن تحقيق جميع ما نصبو إليه من آمال وأهداف إلا بالعمل الدؤوب والصبر والعزم والاستمرار، فما لم يتم التوصل إليه في هذه المرحلة بالإمكان الوصول إليه في مراحل قريبة قادمة طالما كانت هناك قلوب وعقول تعمل من أجل الوطن ووفق الممارسات الدستورية والبرلمانية المتوفرة التي يجب أن تُستغل بشكل صحيح، وتجارب البرلمانات في أوروبا والهند وغيرها لأكبر دليل على أنها لم تصل إلى ما وصلت إليه من عراقة وخبرة وتاريخ إلا بسبب التجارب والخبرات المتراكمة لسنوات طويلة جداً وليس بين عشية وضحاها أو بجرة قلم.
ومن هنا يبقى المشروع الإصلاحي لجلالة الملك هو الأساس المُتفق عليه بين مختلف أطياف شعب البحرين والذي يجب السير على هديه لتحقيق تطلعاتنا جميعاً، فقط لنعطي أنفسنا فرصة جديدة ونبحث شأننا الداخلي بيننا ك(بحرينيين) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية
ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا