النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

كيف يصبح الحكم على علي سلمان طريقاً لاستكمال الإصلاحات الوطنية

رابط مختصر
العدد 9571 الثلاثاء 23 يونيو 2015 الموافق 6 رمضان 1436

للمرة الأولى مذّ بدأت الكتابة في «ديسمبر 2014م» بجريدة الحياة أكتب في الشأن المحلي، هذا المجال الذي حاولت كثيراً عدم الاقتراب منه لحساسيته المفرطة ولإدراكي أن كل من يكتب فيه يُتهم بالموالاة أو بالمعارضة، فمن يمسك العصا من النصف هو كالحافي الذي يمشي على الجمر، غير أنني كنت مدركاً أيضاً بأن يوماً سيأتي وسأخوض هذا المجال شئت أم أبيت، وهذا ماحدث، وكل ما أتمناه أن يُقرأ هذا المقال بعيون وقلوب ما قبل الأحداث المؤسفة التي شهدتها مملكتنا الحبيبة في 2011م، والتي عشت أحداثها منذ البداية، وتألمت كثيراً عندما انحرفت عن أهدافها التي بدأت بها.
ولست أدري من غرَّر بقادة تلك الأحداث وجماهيرها للابتعاد عن أهدافها؟ فهل السبب هو موجة الربيع العربي و«الثورة الخلاَّقة» التي تهدف إلى تفتيت وتقسيم الدول العربية إلى دويلات على أُسس دينية ومذهبية وطائفية من أجل نشر الديمقراطية وتشكيل الشرق الأوسط الجديد عبر الإدارة الأمريكية وهو ما صرَّحت به وزيرة الخارجية الأمريكية «كوندليزا رايس» لصحيفة الواشنطن بوست في «9 أبريل 2005م»؟ أم إيران التى وجدت ضالتها في هذا التحرك وهي التي كانت وراء المحاولات الانقلابية في البحرين منذ ثمانينيات القرن الماضي.
فقد كنت أمر كل صباح في طريقي إلى مكتبي بوزارة الخارجية - والذي لم أتغيب عنه يوماً خلال الأحداث رغم مخاطر الطريق - عبر الجسر المطل على دوار مجلس التعاون لأشاهد الشعارات واللافتات تتغيَّر يوماً بعد يوم، وكان أقساها اللافتة التي حملت عبارة «ارحلوا» والتي جعلتني أدرك حجم الانقسام العميق الذي حل بمجتمعنا البحريني، كما أدركت حجم التدخل والخطر الإيراني لاستغلال هذا التحرك الوطني ليس على البحرين فقط وإنما على أمن واستقرار دول مجلس التعاون.
وأذكر أنني وفي تلك الفترة الصعبة ومن موقع عملي كوكيل لوزارة الخارجية ومسؤول عن الشؤون الإقليمية ومجلس التعاون أن أدليت بأول التصريحات شديدة اللهجة لوكالات الأنباء والصحافة العربية والعالمية، برفض البحرين بشكل بات وقاطع للتدخل الإيراني في شؤونها الداخلية باعتباره تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وأن البحرين على اتصال بالأمم المتحدة والدول دائمة العضوية بمجلس الأمن والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لإبلاغها بما تقوم به إيران من تصرفات غير مسؤولة تتنافى مع أبسط قواعد حُسن الجوار بين الدول، كما أوضحت أن دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين في مارس 2011م إنما يأتي انطلاقاً من وحدة المصير المشترك وترابط دول مجلس التعاون في ضوء مسؤولياتها الجماعية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة، وأشرت في نفس التصريح إلى قرار البحرين سحب سفيرها من طهران للتشاور.
والآن، وبعد صدور الحكم على رئيس جمعية الوفاق الوطني الإسلامية علي سلمان، هل يصبح هذا الحكم مدخلاً نحو انفراج الأزمة المستمرة منذ أربع سنوات؟ وهل سيدق الجرس لتصحو القلوب النائمة وتتفتَّح عقول حكماء الوطن من قادة سياسيين ومنظّرين وكتّاب وصحفيين وخبراء في قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير؟
أسئلة مهمة، وفي فترة مهمة، وفي وقت مهم، ووسط مجتمع يعيش تراكمات سنوات أربع، وعالم عربي مشتعل منذ عام 2011م فيما يسمى بالربيع العربي والثورة الخلاَّقة التي كانت نقطة الانطلاق لكافة التدخلات السياسية الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية وتدريب الشباب على إدارة المظاهرات تحت شعارات حماية حقوق الإنسان، وما أدى إليه من ظهور جماعات إرهابية متطرفة على أسس طائفية بحتة على امتداد الوطن العربي.
فماذا كانت نتائج كل ذلك سوى مزيد من أعمال العنف والإرهاب والاختلاف والطائفية والمذهبية والكراهية ونبذ الآخر، والتي انتهت جميعها إلى طرق مسدودة في كل الاتجاهات الأربع، لأن من أوقد نار الطائفية تحت شعارات «التعددية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان» لا يعرف كيف يطفئها، فلم تحقق «الثورة الخلاَّقة» للأسف حلولاً تفتح أبواباً للمدينة الفاضلة التي كان العراق نموذجها الأول في المنطقة العربية.
نعود إلى سؤالنا وهو «كيف يصبح الحكم على رئيس جمعية الوفاق علي سلمان طريقا لاستكمال الاصلاحات الوطنية»؟ فما أراه أن هناك عوامل ايجابية تعتمد أساساً على إلغاء خطاب الكراهية الذي فرضته أزمة 2011م، والعمل على نشر ثقافة التعايش والمحبة بين مختلف أطياف المجتمع البحريني التي عاشها وتفاعل معها عبر تاريخه الطويل، إلى جانب عوامل سلبية علينا العمل على تجاوزها جملة وتفصيلاً.
أما بالنسبة للعوامل الإيجابية، ففي مملكة البحرين ملك حكيم، يحمل حباً طاغيا لشعبه الذي حمله على أكفه في كل مدينة وقرية قام بزيارتها، حريص على الإصلاح منذ اليوم الأول لاستلامه سدة الحكم في «9 مارس 1999م»، وما الإجماع الذي تم بنسبة «98.4%» على برنامجه الاصلاحي بإقرار ميثاق العمل الوطني في «14 فبراير2001م» إلا تأكيد من شعب البحرين بجميع أطيافه على قيادته، إلى جانب قيادة وطنية حرصت منذ عشرينيات القرن الماضي وعبر تاريخ البحرين حتى اليوم على التفاعل والحوار مع شعبها والتجاوب مع تطلعاتهم بكل شفافية والتزام وعملت بنهج ثابت على إرساء الاستدامة والتنافسية والعدالة، جسَّده الافراج عن الأمين العام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي «وعد» إبراهيم شريف أمس الأول، والذي يؤكد بأن البحرين بقيادتها وشعبها الوفي تسير في الطريق الصحيح نحو إعادة اللحمة الوطنية ومداواة جروح الماضي والعمل يداً واحدة من أجل «بحرين وطن الجميع».
أما بالنسبة للعوامل السلبية فتتلخَّص في أن يدرك جميع أطياف المجتمع بأن التهديدات المحيطة بالبحرين كثيرة، وأهداف الثورة الخلاَّقة مازالت مستمرة وأذرعها الداخلية والإقليمية لم تزل قائمة وخطيرة، لذلك يجب عدم الإصرار على أخطاء السنوات الأربع الماضية، والمضي قدماً نحو استكمال مسيرة الخير والعطاء التي بدأت مع بزوغ فجر المشروع الإصلاحي لجلالة الملك الذي يجسِّد تطلعاتنا التي نريد تحقيقها، وأن نؤمن بأن المؤسسات الدستورية القائمة هي مفاتيح الإصلاح المنشود، وأن مقاطعة الانتخابات النيابية ليست الوسيلة التي تحقق الإصلاح الذي لن يتم إلا من خلال مشاركة وتعاون الجميع دون استثناء، وعلى المشككين والمتشددين أن يعطوا أنفسهم فرصة جديدة في طريق البحرين الثابت والآمن الذي يحمل اسم «المشروع الإصلاحي»، لأن الاستمرار في الوقوف على مفترق الطرق يعني فقدان الفرصة تلو الأخرى ليبقى الوطن هو الضحية الكبرى لهذا التردد والتأزيم.
إن الوطن بحاجة إلى جهود فكرية ورؤى سياسية وتنظيمية لبناء دولة المؤسسات التي توفر الفرص المتكافئة لجميع أبنائها من خلال الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واحترام حقوق الإنسان وتعزيز دور المرأة من أجل بناء المجتمع البحريني الملتزم بقيمه وتراثه وحضارته وإنجازاته، وهذا لن يتحقق إلا عندما نؤمن بأن البحرين تستحق منا التضحية والوقوف متماسكين صفاً وقلباً واحداً لتحقيق تطلعاتنا والوقوف سداً منيعاً أمام أية تدخلات خارجية في شؤوننا الداخلية.

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا