النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

عزيز والحلم المتجدد

رابط مختصر
العدد 9551 الأربعاء 3 يونيو 2015 الموافق 15 شعبان 1436

ورحل ثالث من أراد أن أكون فناناً تشكيلياً، وهو استاذي بمدرسة الثانوية للبنين بالمنامة عبدالعزيز زباري، بعد استاذي ناصر اليوسف واسحاق خنجي، رحمهم الله جميعاً.
عبثاً كنت «اخربش» على دفتر الرسم في الأول ثانوي من العام 1967م وفي ورشة الرسم نظر الأستاذ عبدالعزيز زباري إلى ما رسمته، فبدلاً من أن يسخر مما رسمت لأنني بالفعل لم تكن عندي موهبة الرسم، وجدته يأخذ بيدي، ويقول: «ما رسمته ينبئ عن موهبة واعدة» فقلت في نفسي لعل الأستاذ يجاملني، ولكني صدقته، فهو عندنا الفنان المبدع، الإنسان الرقيق، الشفاف الذي من المستحيل أن تنفر منه لغضب يبدو على محياه، أو زلة لسان تؤذي.
فقد كان مدرساً يحب تلاميذه، ويشجعهم ويغرس الأمل في نفوسهم، ويكشف مواهبهم، ويومها أين نحن من تلاميذ عرفوا طريق الفن وكانوا في نفس الفصل أحمد باقر وأحمد جوري، وحسن النعيمي، لم يكن أستاذ عزيز، وهذا ما كان يرغب فيه، إلا أباً ومربياً وصديقاً، وظلت هذه الأفكار والانطباعات عنه حتى عندما أصبحنا موظفين وجمعتنا ظروف الحياة في معارض الفنون التشكيلية والجمعيات الفنية، والمسارح الأهلية ورغم ذلك فقد ظل يعاملنا كتلاميذ المدرسة الثانوية، طّوف في الحياة، نوّع نشاطه، انشأ مع زميله ورفيق دربه سلطان سالم مطبعة الفجر لإيمانه بأنها نشاط وحراك ثقافي يمكن أن يسهم في رفد مسيرة البحرين الثقافية والفنية، حتى عندما افتتح مطعم ومقهى الفجر في حديقة الأندلس بالمنامة، ظل هذا المكان ملتقى أهل الفن والفكر والثقافة، فهو كان يعيش مع الناس وللناس، التجارة عنده من موروث الآباء والأجداد وتجارته الحقيقية الفن والالتقاء بالأصحاب وتبادل الفكر والنقاش والمجادلة، والنكتة، والروح المرحة مع عدم نسيانه لكل من مر في حياته التعليمية والفنية والإبداعية من شخصيات ظل وفياً لها، يأنس بالقرب منها، ويشوقه الحنين لتبادل الذكريات الجميلة معها.
في السبعينيات التقيت به بالقاهرة وكعادة فنانينا الأوائل كانوا يعشقون القاهرة وفنونها وإبداعاتها ولهم صلات بكبار الفنانين التشكيليين المصريين، وكانت شقته ملتقى البحرينيين، وأبدع يومها في الطباخ، فقد كان يرحمه الله ماهراً ويعتبر ما يقدمه فناً وإن كان في عالم الطبيخ، لأن غايته ومراده أن يرضي ضيوفه، إحساساً منه أن الواجب يحتم عليه أن يكون راداً لزيارتهم له بأحسن ما يكون. كان يملأ علينا الجو بنكاته وسوالفه ومواقف الحياة المتعددة وكنت كلما التقيته أقول له: «مشكل» لأن هذه الكلمة لازمته منذ أيام الثانوية في الأعوام 67-1968 وإلى أن اختاره الله إلى جواره.
كان مجلس الصديق جمال محمد بوشقر بعالي عامراً بزملاء الأستاذ عزيز وبأصدقاء فريج الفاضل، وأعضاء النادي الأهلي، وتلاميذ الأستاذ عزيز في مختلف المراحل التعليمية وكان عتابه علينا، وهو عتاب مشروع نشعر الآن بتأنيب الضمير تجاهه: لماذا لا تزورني في بيتي المتواضع بفريج الفاضل؟!
وكالعادة نعد الأستاذ بزيارته وتأخذنا الأيام إلى أن وجدنا أنفسنا بدلاً من ان نزوره في منزله نشارك في تشييعه إلى مثواه الأخير بمقبرة المنامة. أنها الحياة تصرفنا عن زيارة أعز وأصدق الناس لا لشيء إلا التعذر بالمشاغل وما ندري أن كل هؤلاء الراحلين عن دنيانا تركوا مشاغلهم قبل أن ينجزوها.
أستاذ عزيز كان وفياً لزملائه الفنانين التشكيليين والمبدعين الآخرين في مجال الغناء والموسيقى والمسرح والشعر والقصة والرواية، هو من جيل الذين تشربوا من ثقافة هذه البلاد، والذين اعتبروا الفنون جميعاً هي من مصب واحد، طيبة هذا الشعب ومعدنه الأصيل، وموروثه الثقافي والحضاري، هم أبناء الفريج، وهم أبناء النادي أو الجمعية وهم جلساء المقاهي الشعبية، ومن الحاضرين للعروض المسرحية، والندوات الفكرية والثقافية والأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية والغنائية في المدن والقرى.
عزيز زباري، اسمح لي أن أنقل أمنيتك ورغبتك التي ناضلت من أجلها وتفانيت في الدفاع عنها في جلساتنا المتعددة، وفي كلمتك المعبرة يومها بمركز الفنون بالقرب من متحف البحرين الوطني ونحن متواجدون للاحتفال بأحد المعارض التشكيلية عندما صرحت بأعلى صوتك: «نحن بحاجة إلى معرض دائم للفنانين التشكيلين الراحلين والمبدعين الأوائل أسوة بالبلاد المتحضرة الأخرى» فكنت صادقاً في أمنيتك، وفياً لزملاء عرفتهم، وعشت معهم، وتقاسمت معهم حب الفن والإبداع. نعم أستاذ عزيز نحن اليوم قبل الغد بحاجة إلى هذا المتحف التشكيلي الذي يؤكد أصالة وعمق الفن التشكيلي في بلادنا، مملكة البحرين.
يرحمك الله يا أستاذ عزيز، فأنت ترحل، ولكن ذكراك تبقى وعشقك للفن والإبداع سمة لا يمكن إلا أن تكون نبراساً لأجيال من المبدعين والفنانين.
عزاؤنا أنك كنت الصادق في دعوتك، الوفي لتلاميذك وأصدقائك وزملائك وأهلك فعليك من الله تعالى الرحمة والرضوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا