النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

عظمة إنسان مظلوم

رابط مختصر
العدد 9544 الأربعاء 27 مايو 2015 الموافق 8 شعبان 1436

الانسان قيمة مجردة بذاته، قيمة نادرة في ندرة فرديته، وتلك قيمة تحوم حول رحى الذات، وهناك قيمة العطاء بما سعى ويسعى، إن كان السعيُ خيراً أو شراً وشرائح القِيَمِ بينهما، قيم الذات وقيم العطاء تتماثل، وقيم العطاء في طبيعتها وتلاوينها نابعة من قيم الذات، فقيمة الذات وطبيعتها تحدد قيمة العطاء وطبيعته، وبهذه القيمة تتحدد الندرة في عظمة الانسان الفرد في قمة العطاء وعموم عموميته في متوسط العطاء.
إن عموم عطاء الانسان لمحيطه الاجتماعي يكاد أن ينحصر في عناصر المادة ومناهل العلم والمعرفة ومهارات العمل، وعطاء الانسان بما ملك من مادة وعلم ومعرفة ومهارة، وهذا العطاء ليس عطاءً مجرداً، بل يستتبعُ العطاءُ أخذاً لمنفعة الذات في صاحب العطاء، وهذه هي سنة الحياة التي تحددها معادلة الأخذ والعطاء.
و من ندرة النوادر في الحياة أن تنبريَ ذات إنسانية من بين الخلق، لا مال ولا علم ولا مهارة، ولكن تجرد في العطاء بما لا قياس له في كل ما بذل الانسان وما أعطى، ذاتٌ إنسانية بريئة جَرَّدَها عَدْلُ القضاء المجتمعي من حقها في الحياة مدة أربعين عاماً، من ربيع العمر في السابعة عشر الى خريفه في السابعة والخمسين، إنسان بريئٌ حَرَّمَ عليه عدل القضاء من العيش تحت الشمس وبين الناس حتى يمارس معادلة الحياة بين عطاء طبيعي وأخذ طبيعي. وكانت كلمة القضاء «العادل» ظلماً في حق الشاب الامريكي الأسود «كوامي أجامو» بالسجن المؤبد في تهمة قتل، وفي حقيقة الامر كان الشاب بريئاً من فعلة القتل، ولكن هكذا كان القضاء الذي خانته الدلالات واستعصت عليه البصيرة في تحسس أطراف العدل، فظلم العدل نفسه وحَرَّمَ على الشاب البريء حياته.
من الأمثلة الجميلة على النفس في حياتنا هذه الحكمة العظيمة التي تقول: «إنَّ الحق يعلو ولا يُعْلىْ عليه»، ونضيف عليها «وإن طال الزمن»، وهكذا عاد القضاء الانساني الناقص في عدله الى رشده في حق الشاب البريء، إذ بعد حين طويل طويل من دهر هذا الشاب وبعد جهد كريم أصيل من عمال العدل وفلاحيه الاوفياء ظهر الحق وبطل ضيم القضاء فكانت الكلمة الصادقة الحقة أنَّ الشاب بريء وأن القضاء مدان، فكان لابد للقضاء أن يعيد الاعتبار الى الشاب وبأيِّ ثمن يرتضيه لكي يعوض أربعين عاماً من أمتع زهور حياته.
فتح القضاء أبواب محكمته بخجل واستحياء ففي يوم التاسع من ديسمبر عام 2014 وأثناء جلسة أعلان البراءة طلب القاضي «ريتشارد بيكار» من الشاب المظلوم ان يطلب اي تعويض يريده ويليق بعمره حتي يحكم له به، وكان بامكانه أن يطلب الملايين من المال، ولكنه أدهش الحضور في حينه وأدهش العالم أجمع بعد علمه، إذ كان الطلب عطاءً كريماً نادراً عظيماً، وكيف يمكن أن يعطي من لا مال له ولا علم ولا مهارة عمل، لقد أعطى من ذات ذاته التي تتعدى حدود المال والمادة والعلم. ولقد أعطى من ذات إنسانيته المجردة، من ذات إنسانيته الطاهرة، وهذا العطاء إعجازٌ في ملكوت الكرم.
ماذا كان هذا الطلب المعطاء من الشاب رداً على حكم القضاء؟
 «كوامي أجامو» بكل بساطة وأريحية نادرة طلب من السادة القضاة الكرام إعادة النظر في القوانين التي تسببت في أعتقاله وظلمه فقط، ولم يطلب اي تعويض مالي وهو يبكي حرقاً علي عمر ضاع في السجن وهو مظلوم، حينها قامت القاضية «باميلا باركر» وتركت منصة القضاء وعانقت «أوجامو» بحرارة. وتعطل الكلام أمام هذا الكرم والبكاء.
صدرت أوامر مباشرة من البيت الأبيض بتشكيل لجنة من استشاريين وقضاة لاعادة مراجعة القوانين المتعلقة بأتهام «كوامي أجامو»...!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا