النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

متقاعدون لم يتقاعدوا

رابط مختصر
العدد 9523 الأربعاء 6 مايو 2015 الموافق 17 رجب 1436

كان شبح التقاعد مخيفاً، البعض كان يرى فيه نهاية الحياة، والبعض الآخر كان يرى فيه بداية الحياة، والكل ينظر إلى هذه الفترة التي لابد منها بمنظار مختلف عن الآخر، ونحاول أن نفهم ملياً الحالات. أتذكر أن أحد البريطانيين العاملين في إحدى الشركات الكبيرة في البحرين عندما أوشك من العمر أن يتقاعد، تم الترتيب له للاشتراك في دورة تدريبية في بريطانيا يتم تأهيله لمواجهة الحياة بعد التقاعد، وكان الرجل في قمة سعادته، حيث أن الدورة قد غرست فيه أمل العطاء بعد التقاعد وإن كان في مجال آخر غير المجال الذي أفنى شبابه فيه.
نحن في البحرين أمام ظاهرة التقاعد على وجهين، وجه من بلغ من العمر قانوناً يلزم أن يكون متقاعداً، والوجه الآخر هو ما يسمى بالتقاعد المبكر أو شراء خدمة إضافية تتيح له مجال التقاعد مبكراً.
لا أود أن أحلل الجوانب السلبية والإيجابية لهذين المتقاعدين، ولكني من خلال التجربة المتواضعة، والمعايشة المجتمعية ألمس بأننا بحاجة إلى خبرة وتجربة المتقاعدين في حياتنا المعاصرة مع الإيمان الراسخ والثابت والذي لا جدال فيه بإتاحة الفرصة للشباب الواعد من الجنسين لتقلد المناصب في القطاعين العام والخاص والوقوف معهم إدارياً وتنظيمياً وتدريباً وصقلاً، وتقبل الخطأ بمثل ما نتقبل الصواب، مع تقديم المشورة والنصيحة للعمل الأفضل لإنجاز أي مهمة أو مشروع أو توجه لوزارة أو مؤسسة أو مصلحة.
كان مجتمعنا لم يعرف الركون إلى الراحة حتى عندما يبلغ الأجداد والآباء عمراً تم تحديده قانوناً الآن بالسن المعترف به للتقاعد مادام عندهم القدرة على العطاء حتى أولئك الذين عملوا في بابكو بعد كساد حرفة جمع محار اللؤلؤ وبروز اقتصاد النفط الجديد لم يكونوا يلزمون بيوتهم، بل كانوا يسعون إلى طلب الرزق والبحث عن لقمة العيش الحلال لأولأدهم وأسرهم في مهن أخرى ولم يتوانوا عن ذلك إلا حينما يقعدهم المرض، وكذلك الحال لمن خدم في مهن أخرى كصيد السمك والحرف البحرية التابعة له، أو من خدم في الحكومة واضطر ليغير مهنته ليبقى نافعاً لمجتمعه، متفانياً في أداء واجبه نحو وطنه ومواطنيه وأهله وأولاده.
لم يدخل هؤلاء دورات تدريبية تؤهلهم لمواجهة فترة التقاعد، وإنما بفطرتهم، وبالموروث الحضاري الذي تشبعوا به آمنوا بأن الحياة لابد أن تستمر، ومادام الإنسان به القدرة على العطاء فلا تقف عنده الحدود. وجدنا هؤلاء في الأسواق ووجدناهم في البحر، ووجدناهم في المزارع ووجدناهم في الأحياء والفرجان وهم يتكسبون من الرزق الحلال، كانوا يؤدون فرائضهم بالمداومة على الصلوات المفروضة ويقرأون القرآن، ويسعون إلى الرزق حيثما يكون إيماناً منهم بأنهم ماداموا قادرين فإن لهم دوراً في بناء الأوطان.
المتقاعدون في مجتمعنا اليوم نراهم في المجمعات التجارية يتبادلون أطراف الحديث ونراهم في المقاهي الشعبية القليلة الباقية في المنامة والمحرق، ونراهم في المجالس المنتشرة ولله الحمد في مدننا وقرانا وعلى مختلف المحافظات ونراهم في الأنشطة الثقافية والمحاضرات التي تقام يومياً في بلادنا، ونراهم في المواجب كالأفراح والعزاء، منهم من ينقل إليك تجربته ورؤيته لمجريات الأمور، ومنهم من يلزم الصمت إيماناً منه بأنه ربما تكون عند الآخرين من الأفكار والتجارب ما يستحق أن يستمع إليه.
المتقاعدون في بلادي هم على استعداد دائم للمشاركة وحضور كل نشاط يمكن أن تقوم به مؤسسات ووزارات المملكة إذا ما وجهت له تكريماً وتقديراً وعرفاناً الدعوات التي تشعرهم معنوياً بقيمة تقدير عطائهم، المتقاعدون بجهود بعض الأخوة الخيرين يقومون بزيارات ميدانية للمصانع والمرافق والأماكن السياحية والتراثية والآثارية، هم بحاجة إلى اكتشاف بلادهم من جديد كما هم بحاجة إلى اكتشاف خليجنا العربي من جديد عبر الرحلات التي ينظمونها لأنفسهم، هؤلاء هم أجدادنا وآباؤنا وأعمامنا وأخوالنا هؤلاء أيضاً يعتبرون من أبنائنا نتيجة التقاعد المبكر، هل لهم دور في حياتنا المعاصرة؟!، الجواب نعم، توجد جمعيات، ويوجد مقار «لرعاية المسنين» و»رعاية الوالدين» وهي جهود مقدرة من الدولة ومن رجال الخير في بلادنا لكننا أيضاً بحاجة إلى إدماج هؤلاء في مجتمعنا وإشراكهم في تفكيرنا ومشاريعنا، بحاجة إلى أن نستمع إليهم، أن نقدر فيهم عطاءهم وآراءهم وقدرتهم على إسداء النصيحة ونقل الخبرة والتجربة. هؤلاء هم البناة الأوائل، هؤلاء تكفيهم في مثل هذه الأعمار الكلمة الطيبة، والتقدير النابع من القلب، والإحساس بمسؤوليتنا جميعاً في رد الجميل... فالوطن يبنى بجميع سواعد الخير، ويبنى بإنزال كل فرد فيه المكانة التي يستحقها....
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا