النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

مجتمعنا والاكتفاء الذاتي

رابط مختصر
العدد 9516 الأربعاء 29 ابريل 2015 الموافق 10 رجب 1436

وضعت أم العيال يوماً على سفرة الغداء ما نسميه هذه الأيام «بالبوفيه» وهو مجموعة أطباق منوّعة، تثير شهية الجوعان، وتضيف إليه بعض السعرات الحرارية تقود بالطبع إلى أعراض السمنة أو السمنة بعينها ولفت نظري في الأطباق المقدمة يومها «الشيلاني واللبن» والشيلاني هو الرز الأبيض الذي لا تخالطه أي أنواع المكسرات أو البهارات أو ما يسميه الآسيويون بـ steam rice أي رز مطبوخ على البخار.
والبحرينيون يعرفون «الشيلاني» جيداً فهو معد للأكل مع السمك، أو الصالونة بكل تفريعاتها غير أنني وجدت نفسي مدفوعاً بالفطرة لتنحية كل أنواع الأطباق التي قدمتها «أم أبراهيم» واختيار الشيلاني مع اللبن ليكون غدائي ذلك اليوم.
وتعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام التي يكون فيها اللبن معداً بشكل خاثر من بيوتنا التي كانت لا تخلو من بقرة يتم العناية بها والمداومة على حلبها والإستفادة من الحليب واللبن والزبد والدهن وأحياناً «الألبى» وأم «بريد» في غذائنا الطبيعي، والذي تتهادى بيوت الجيران به، خصوصاً عندما يعرفون أن بقرة الجيران حامل ولا يرجى منها الحليب لحين تضع مولودها.
الحيوانات الأليفة والدواجن في بيوت أهل البحرين تمثل بالنسبة لهم نموذجاً للإكتفاء الذاتي؛ طبعاً مع وجود النخيل وبعض أشجار اللوز والتين، والكنار، والصبار، وربما الباباي، ولذلك فليس من المستغرب عندما نسمع الأوائل يقولون «لا يجوع من يملك بقرة ونخلة» فقس على ذلك كل ما هو طبيعي ويسعى الرجل وقتها أو المرأة في العناية به وتقديم كل ما من شأنه ان يحفظ على البيت كينونته ورزقه وبما يقيم أود ساكنيه ببركة من الله سبحانه وتعالى.
الشيلاني واللبن نحتاج إليهما في وقتنا الحاضر كغذاء ربما أكثر من أي وقت مضى، فالسكري، وضغط الدم وتصلب الشرايين، والضغط، والنقرس وأمراض العصر المختلفة تتطلب منا أن نكون مقبلين على أغذية صحية تجنبنا المضاعفات، وقد نحتاج إلى وصفة طبية بشأن فوائد الشيلاني واللبن خصوصاً عند تناولهما بإعتدال.
كان السمك الطازج متوافراً بشكل يومي، وربما على فترتين صباحية ومسائية في أسواقنا وفي فرجاننا ودجاج البيت كان حاضراً خصوصاً للضيوف المعتبرين. فالدجاج البياض كان عزيزاً والمرأة في وقتها تحرص أشد الحرص على الدجاجة البياضة أما اللحم فمع توفره في الأسواق إلا أن البيوت كانت أيضاً تربى بعض «الأغنام» و»التيوس» التي كانت معدة للحاجة وإلى المبالغة في تكريم الضيوف. ونتيجة لذلك فقد برزت مهنة افتقدناها في زماننا هذا وهي مهنة «الراعي» الذي يؤتمن على الأغنام عند سرحانها في البر لتناول الأعشاب الطبيعية التي يجود بها ماء السماء بقدرة الخالق جلا وعلا وهذا لا يعني أن البحرينيين أحياناً لا يشوقهم ان يخرجوا عن المألوف فقد اشتهر عندنا طبق المحمر «البرنيوش» أما بالسكر «المشّفف» أو بدبس التمر مع صالونة «المطفي» بالسمك أو السمك المجفف «المالح» أو ما يسميه أخواننا أهل القرى «بالأحلى» وهو عادة يتم تحضيره في البيوت، خصوصاً عندما يكون الصيد وفيراً أو تخصصت بعض المحلات ببيع السمك المالح المجفف كما يجلب أيضاً إلينا خصوصاً الأنواع الكبيرة منه من سلطنة عمان الذين كان اخواننا العمانيون ومازالوا يتفننون في إعداد السمك المالح المجفف بكل أنواعه وأشكاله.
والمحمر كان الغاصة يأكلونه يومياً على ظهر سفينة الغوص؛ لأنه كان يمدهم بالطاقة الحرارية اللازمة للعمل اليومي الشاق والمضني بحثاً عن محار اللؤلؤ.
يعيدنا الشيلاني واللبن إلى البساطة، والحياة الطبيعية التي لا تكلف فيها ولا مبالغة فهو طعام الجميع لا فرق بين معسر أو ميسر وهو ينم عن تواضعنا نحن أهل البحرين، وصبرنا على الشدائد والكل كان يعمل، بكل جد واجتهاد؛ المرأة إلى جانب الرجل، استطاعوا أن يسيروا حياتهم بكل ما يملكون من طاقات بشرية وإمكانيات مادية.
إرادة البقاء، وعزة النفس والكرامة وتربية الأبناء ومراعاة الجيران والمحافظة على أسرارهم، وإكرام الضيوف والإحساس بالآخرين وصون الوطن والمحافظة على أمنه واستقراره كانت تلك هي القيم التي حافظوا ويحافظون عليها وتمسكوا ويتمسكون بها واعتبروها من المسلمات والمقدسات التي يجب أن تحفظ وتصان وتحترم.

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا