النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

المرأة بين ذكوريّة الرجل وذهنيته

رابط مختصر
العدد 9514 الاثنين 27 ابريل 2015 الموافق 8 رجب 1436

مسيرة الانسان من مرحلة الوحشية الى البربرية ومنها الى الحضارة، كانت مسيرة شاقة وطويلة، حملت كثيراً من المعاناة والمآسي وخاصة بالنسبة للمرأة، فالحمل كان ثقيلاً على المرأة على مسار ألوف السنين إلى أن كانت فاتحة عصر الأنوار على أعتاب القرن السادس عشر، وسطع نور عصر الأنوار على بقع سوداء في حياة الانسان ومنها وأهمها تلك العلاقة الاستبدادية بين الرجل والمرأة، بفعل استقواء الخشونة الذكورية على النعومة الأنثوية - القوة على الضعف.
مراجعات عصر الأنوار تحسست هذه العلاقة من أجل تصحيح نمط العلاقة من موقع التنكر لدورها وحقوقها الى موقع الاعتراف بدورها، وأهمية هذا الدور، والمساواة في سلة حقوقها مع حقوق الرجل، وبمعنى أدق وضع حقوق المرأة والرجل في سلة إنسانية واحدة، كان هذا هو مشروع عصر الأنوار ومسعاه على الساحة الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الرجل والمرأة في سلة واحدة لا تفاضل بينهما ولا تفريق بينهما ولا تفريط في حقوقهما المشتركة والمتساوية. وكان المبدأ الجوهري هو « كفى استقواء القوة الذكورية على النعومة الأنثوية».
هذا التحول النوعي من التفاضل والاستبداد الى المساواة والتآزر لم يتحقق بالكامل والكمال الذي يرضي المشروع التنويري، ففي أكثر الدول ديمقراطية وتقدماً حقوقياً مازالت المرأة تعاني من استبداد القوة الذكورية تحت سقف الاسرة الواحدة، فكثير من الزوجات في أوروبا وأمريكا مازلن يعانين من معاملات قاسية من الازواج دون أدنى اعتبار للقوانين الوضعية التي تُحَرِّمُ على الرجل الاساءة الى زوجته، رغم أن هذه القوانين قاسية في عقوباتها.
إن نظرة مباشرة الى هذه الحالة غير المنسجمة مع التحول النوعي في نمط العلاقة بين الرجل والمرأة تظهر أن هذه حالة شاذة واستثنائية وتمرد على القانون أو عدم مبالاة، أو أية صفة من تلك الاوصاف التي من الممكن تصويبها بالردع القضائي، وهذا الردع القضائي موجود والمدانون كثر، ولكن قضايا الاساءة الى المرأة مازالت تتواصل في كل المجتمعات ومنها المجتمعات التي بزغ منها عصر الأنوار.
لسنا إذاً أمام حالة من الشذوذ والاستثناء وعدم اللامبالاة، لأن الامر يتعلق بفاصل من تراكم الزمن بين نمط العلاقة الاستبدادية السابق ونمط العلاقة الحقوقية التنويرية الحاضر، النمط الاستبدادي القديم عمره ألوف السنين، بينما النمط الحقوقي التنويري الحديث عمره لا يتعدى ثلاثمائة عام، وهذا التمايز الكبير بين تراكم الزمنين يفتح لنا باباً آخر لتحسس ماهية هذه الحالة من بقاء استبداد الماضي في جسم تنوير الحاضر.
ألوف السنين بنى الانسان خلالها علاقة تعتمد ثنائية القوة والضعف، الأبيض والأسود، الموجب والسالب، وهكذا العلاقة بين الذكر والأنثى - الرجل والمرأة، وكان نمط العلاقة من البديهيات التي استمدها الانسان من الثنائية في بنية الطبيعة والبيولوجيا.
فلابد إذاً من تعقب المسار البيولوجي لنتحسس نمط الاستبداد في ثنائية القوة والضعف، الرجل والمرأة، ومنه نتحسس الفعل التراكمي في أعماق اللاوعي عند الانسان.
ثنائية البنية البيولوجية مثلما الثنائية في البنية الطبيعية، أثنان يكمل بعضهما الآخر وإلّا توقفت عجلة الحياة وماتت البيولوجيا والطبيعة في رحم ذاتها دون أن تفتح عيونها على الفضاء الخارجي والذي هو وسط ومحيط النشاط الحياتي، التثنية في البيولوجيا، وهي ضرورة ملازمة لمقتضيات البقاء، هي أساس المعادلة الكيميائية التي تُنْبِتُ الحياة بحركتها الذاتية من المادة الصماء الساكنة، ومع تطور هذه البيولوجيا وارتقاءاتها اللاحقة تشكلت البنى الفيزيولوجية المتكاملة في كيانات حيوانية متعددة.
وهذه التثنية تتابعت من البيولوجيا الى الفسيولوجيا ومنها الى الكيان الحيواني في كامل بنيته، فكل الفصائل والأجناس الحيوانية ومنها الانسان متشكلة من ثنائية الذكر والأنثى، وهذه التثنية الجنسية هي الأساس في بقاء الجنس، وبقاء الجنس الحيواني يقتضي بالضرورة التي لا مفر منها ولا بديل عنها علاقة الاندماج الفيسيولوجي بين الذكر والأنثى. و من ذكاء الروح البيولوجية أنها شكلت تلك الفوارق النوعية بين الذكر والأنثى وأغرزت فيهما غريزة البقاء التي تجعلهما متجاذبين، وهذا التجاذب ملازم لهما، وكل جنس يتهافت بحثاً عن الجنس الآخر بجنون تدفعه الغريزة دون وعي ولا تحكم في سبيل السعي الى المكمل الجنسي.
وهذه الغريزة المتبادلة تستدل على فوارق بنيوية ومنتج العلاقة بينهما لتكتمل مسوغات التجاذب ومن ثم التلاقي والتلاحم الفيسيولوجي المنتج لديمومة بقاء الجنس الحَيِّ، ومنتج العلاقة المباشرة بين قطبي الجنس البشري هو المتعة في أبهى حللها.
هذه الفوارق البنيوية هي ذاتها استمرارية للثنائية البيولوجية والطبيعية، فالفوارق بين الرجل والمرأة هي قائمة من ثنائيات متقابلة ومتجاذبة، مثلما ثنائية الموجب والسالب «السالب هنا ليس بمعنى السلبية، بل بمعنى التكامل الضروري بين قطبين متعادلين في مقتضيات الضرورة وأسس البناء». الثنائيات المحسوسة بين الذكر والأنثي «الرجل والمرأة» تتمثل أساساً في البنية الجسدية من القوة والضعف، الخشونة والنعومة، الجمال والوسامة «نفضل استبعاد القبح في فرز الثنائية من الجمال»، ومع تلاقي الثنائية في وحدة التفاعل الفيسيولوجي ينتج متعة العلاقة الجنسية المشتركة بين القطبين، بينما أعباء هذه المتعة المشتركة يتحملها قطب الضعف أي الأنثي خاصة في صنف الثدييات من الحيوان ومنه الانسان، بمعنى المرأة هي التي تتحمل الاعباء المصاحبة لهذا التفاعل الفيسيولوجي.
 هذه الثنائية في البنية الجسدية وقوة التجاذب بينهما أربكت كيمياء الذهن ومنتجه عند الذكر والأنثى كليهما، فتكالبت القوة على الضعف، ورأت القوة أن المتعة حق لها وأن الضعف «الأنثى - المرأة» أداة وسلعة بيدها، وهذا هو شكل العلاقة بين القوة والضعف، وبقية الفوارق صارت توابع لهذه العلاقة، فترسخت في الذهنية الداخلية للإنسان مفهوماً بدائياً بأن هذا هو النمط الصحيح والسليم للعلاقة بين الرجل والمرأة، بين القوة والضعف، وهذا المفهوم عشش في ذهنية الانسان ألوف السنين، وتشكلت هذه الذهنية غير الواعية بمعطيات مفهوم العلاقة بين القوة والضعف.
ولكن الانسان، تخطى دائرة البيولوجيا والطبيعة الى دائرة العمل والانتاج، الى دائرة المجتمع والعلاقات الاجتماعية التي تقتضي انماطاً عقلية وعاطفية من العلاقة بين الانسان والانسان، بين الرجل والمرأة، وليس بالضرورة أن يصار نمط العلاقة على مقاس البيولوجيا وما أنتجته من فوارق متكاملة ولكنها غير متساوية، وعدم المساواة البيولوجية ليس مسوغاً لعدم المساواة الاجتماعية وإلّا عاش الانسان بقطبيه الجنسي في حالة فقدان التوازن والمرض البنيوي الدائم. عدم المساواة في البيولوجيا هو من دواعي التكامل وليس التفاضل ولا يحمل محصلة سلبية، بينما عدم المساواة الاجتماعية يخل بالميزان الاجتماعي ويؤدي الى محصلة سلبية تهدم أركان التكامل الاجتماعي، وهكذا يكون المقاس البيولوجي مشوهاً في تطبيقه على نمط العلاقة الاجتماعية.
ومع تخطي دائرة البيولوجيا، بمراحلها المختلفة والمتعددة، الى دائرة مجتمع العمل والانتاج، والتتابع والتطور التاريخي لهذه الدائرة الاجتماعية، بقت الذهنية في اللاوعي عند الانسان على مقاس القوة والضعف وما يستتبع ذلك من سطوة القوة على الضعف، سطوة الخشونة على النعومة، سطوة الرجل على المرأة، وهذه السطوة تتمثل في أشكال الاستبداد والاستغلال. وهذه الذهنية المغروسة في أعماق اللاوعي منذ ألوف السنين لا يمكن استئصالها بمجموعة من الأفكار والمبادئ والقوانين في غضون فترة زمنية لا تتعدى الثلاثمائة عام. إن هذه الأفكار التنويرية وما ينتج عنها من مبادئ عامة وقوانين ملزمة في حاجة الى مساحة اكثر من الوقت في مسار الزمن حتى تترسخ في أعماق العقل الباطن عند الانسان، ومع ترسخ هذه الأفكار الجديدة تتلاشى شيئاً فشيئاً مفاهيم الموروث القديم ومعها يحدث التحول النوعي في السلوك البشري من الذهنية القديمة الى الذهنية العصرية.
عملية التحول من نوع ذهني الى نوع ذهني آخر يستدعي تراكمات من التأثر بالجديد على حساب القديم وعلى مسار مسافة من الزمن تقلب موازين القوى بين النوعين من الذهن في صالح النوع الجديد، وهذه المعادلة لا تعني أن التحول يستدعي ألوفاً من السنين لأن قوة الأثر والتأثر لهما فعل التسارع في عملية التحول، وأن التحول النوعي قادم على المدى المتوسط من الزمن.
 الخلاصة هي أن حالات الاستبداد ضد المرأة ليست بالأساس عائدة الى السلوك الشاذ او الاستثنائي او التمرد على القانون أو اللامبالاة، بل هي نتيجة طبيعية لتراكمات ألوف السنين من ذهنية أن الاستبداد نمط طبيعي وسليم في رسم العلاقة بين الرجل والمرأة، وطبعاً ليس هناك من أدنى مسوغ لتقبل هذه الممارسة الاستبدادية ضد المرأة، وأن القانون يجب أن يأخذ مجراه ضد المخالفين، ودور القانون مهم لأحداث التحول النوعي في عملية التحول من الذهنية القديمة الى الذهنية الجديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا