النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

إعلاء قيمة العمل في المجتمع - درس من خلية النحل

رابط مختصر
العدد 9502 الأربعاء 15 ابريل 2015 الموافق 26 جمادى الآخرة 1436

بالنسبة لي، أنا أنظر إلى نداء المؤذن صباح كل يوم «حيا على الفلاح» على أنها تعليمات تطلب مني الخروج من المنزل والقيام بشيء نافع لي وللمجتمع من حولي، والنهوض بمسؤوليتي تجاه تقدم وازدهار أمتنا، وتحقيق إضافة، ولو كانت صغيرة، للنتاج اليومي المثمر والمستمر للبشرية.
ورغم أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة يدعواننا إلى العمل بتفانٍ واتقان، وإلى كسب الرزق من عرق الجبين لا سؤال الناس، إلا أننا لا نرى أثراً فعالاً لتلك الدعوة في المجتمعات الإسلامية، وليس لديها آليات مستدامة لإعلاء قيمة العمل وغرس أخلاقياته في نفوس الناشئة، ولقد أجريت الكثير من الأحاديث المحبطة مع شباب يشعرون أن لديهم حقا إلهياً مكتسبا بوظيفة في القطاع العام يعيشون منها، وعندما أسأل أحدهم لماذا لا يفكر بالعمل لدى القطاع الخاص، فإنه يرتعد لمجرد التفكير بوجود عبء العمل الكبير والتوقع بأن ملابسه ويديه سيتسخان من العمل.
شخص ما طلب مني ذات مرة على ما اعتقد أن أسمي له المجتمع المثالين وأعتقد أنه كان يتوقع مني أن أستشهد في مكان ما في الدول الاسكندنافية، لكني فاجأتهم بقولي إن المجتمع المثالي هو «خلية النحل».
وهناك الكثير مما يمكن قوله عن خلية النحل كمنوذج مثالي للمجتمع أو صورة مصغرة للمجتمع الذي يعمل على نحو مثالي، فكل نحلة منذ ولادتها لديها بالفعل وظيفتها المحددة في مجتمعها، فهناك الباحثات عن الطعام، والنحلات الممرضات، والشغالات، والمسؤولات عن إنتاج أجيال جديدة، في جو من تنظيم العمل المتناهي وفق قواعد انتاجية صارمة - تماما كما يعلمنا الإسلام أن العمل ينبغي أن يكون أحد الركائز الأساسية للمجتمع المسلم- فالعمل بالنسبة لكل نحلة هو سمة تحملها معها بشكل طبيعي ولا جدال فيها.
ومن الأمور المؤسفة أيضا في مجتمعنا هي الترفع عن شغل أنواع محددة من الوظائف بدعوى أنها «غير لائقة» و«دونية» وتصلح للأجانب فقط، حيث نسمع هذه الأنواع من التعابير في كل وقت.
وبالعودة الى مثال خلية النحل نجد أن هذا المجتمع المثالي المنتج لا تدعي فيه أحد النحلات أن هذا التخصص غير لائق بها، أو أنها إما تعمل في وظيفة عليا أو لا تعمل إطلاقا، بل نرى أن كل نحلة هي جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الذي يسهم جميع أعضائه في بنائه مقدما أفضل ما لديه من طاقات.
لا أدري لماذا تلاشى حب المغامرة عند الشباب اليوم، وباتوا يفضلون الاسترخاء ضمن دائرة الراحة على أن يأخذوا مبادرة جريئة ترتقي بهم خارج دائرة الروتين اليومي المقيت، لماذا لم أعد أرى في أعين شبابنا لمعان الرغبة في التميز وترك بصمة فريدة لهم في مجالات التجارة والثقافة والسياسة كما كان جيل الخمسينات والستينيات والسبعينيات.
إن ما يثير الدهشة حقا هو الاهتمام البالغ الذي يبديه الشاب المتقدم إلى عمل بالراتب الشهري قبل أي شيء، حتى قبل سؤاله عن مستقبل التطور الوظيفي الذي ينتظره والمهارات التي يمكن أن يكتسبها، بالمقابل لا يلتفت كثير من أصحاب الأعمال إلى أهمية مكافأة الموظف المتميز وتحفيزه وتنمية مهاراته باستمرار بما يعود بالخير على المؤسسة وعلى الشاب ذاته وعلى المجتمع ككل.
قرأت مؤخرا أن الشباب يريديون العمل في الشركات الكبرى فقط، ويرفضون ما تقدمه لهم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من شواغر ربما تتيح لهم تطورا وظيفا سريعا، كما علمت أن نسبة البطالة بين الخريجات الجامعيات أعلى منها لدى غير الجامعيات وحتى الأميات، وأن بعض المهندسات يرفضن خلع العباءة أو «الدفة» وارتداء زي العمل الرسمي والخوذة الواقية، وهذه كلها أمور تحتاج منا إلى إعادة تفكير عميق بالأسس والقيم التي نربي عليها أبنائنا.
هل راقبتم ذات يوم طفلاً يحبو قبل أن يتعلم المشي؟ تجدون أنه يريد جاهدا أن يقف لكنه يقع ويبكي، ثم يحاول مرة أخرى، فيقع ويبكي، ويحاول ثالثة فيقع ويبكي أيضا، ومع ذلك نراه لا ييأس أبدا، ولا ينتظر أن تقدم له والدته ضمانات بأنه لن يقع إذا ما حاول المشي، بل يستمر في القيام بمحاولة بعد أخرى، وكل مرة يحقق تقدما طفيفا، حتى يتمكن من المشي بانتظام في نهاية المطاف.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا جميعا مفطورون على المحاولة ثم المحاولة حتى تحقيق النجاح، لكن ما يحدث عندما نكبر هو أن الكثير منا يتأثر بعوامل الخوف والتردد والرغبة في الاستكانة وعدم تجاوز المألوف، ومع الاسف تتولى الأسرة والمدرسة والمجتمع تكريس هذه العوامل في الناشئة بدل أن تزرع فيهم حب التجربة والمغامرة والابتكار والتفكير الحر.
شخص يجوب الشوارع سعيا خلف رزقه، وآخر يتفانى في خدمة المرضى في مركز صحي أو مستشفى، وثالث يقود سيارة أجرة، أو يخدم المراجعين بإخلاص في دائرة حكومية، كل أولئك يقدمون خدمة متساوية لأمتهم، ولهم الحق في أن يكونوا موضع تقدير على حد سواء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا