النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

المنظومات الفكرية والالتزام العاطفي بها

رابط مختصر
العدد 9501 الثلاثاء 14 ابريل 2015 الموافق 25 جمادى الآخرة 1436

يتناول الناس مفردة الدِّيْنِ على أنها محصورة حصراً في المنظومات الإيمانية بالغيب، وهي أضيق حصراً من دائرة المفاهيم الميتافيزيقية رغم المشتركات بين الغيبية و الميتافيزيقية؛ وخارج الدائرة الغيبية والميتافيزيقية هناك مجموعة أخرى من المنظومات الفكرية ذات الطابع الوضعي الصرف والتي قد تتشارك مع الميتافيزيقية في بعض الجوانب الفكرية، بينما المشتركات بينها وبين المنظومات الغيبية محدودة وتنحصر في بعضٍ من القيم والمفاهيم الاخلاقية، بينما الاختلاف جوهري في الأُسِّ الفلسفي. ولتيسير تناول الموضوع وربط عناصره وصولاً الى المخرج الجدلي نسمي جميع المنظومات، من غيبية وميتافيزيقية و وضعية ، بالمنظومات الفكرية، و هذه التسمية ليست تعسفية لأن الفكر هو أساس كل هذه المنظومات، الانسان يتعاطى مع المنظومة الفكرية التي يلتزم بها بالفكر ودرجات متفاوتة من العاطفة. درج الناس، في كليتهم البشرية، على وصف و تسمية الملتزم بدين من الأديان على أنه إنسان متدين؛ وهذا الربط بين الدين والتدين هو لزوم لغوي لا خلاف عليه ولا اختلاف حوله، مثلما الملتزم بالمنظومة الفكرية للماركسية يوصف بالماركسي، والملتزم بالفلسفة الوجودية يوصف بأنه إنسان وجودي، وهكذا تتطابق تسمية الانسان الملتزم على مُسمَّى المنظومة الفكرية التي يلتزم بها من واقع مقتضيات اللغة. الانسان الذي يلزم نفسه، لزوم العضو من الجسد ، بمنظومة فكرية او فلسفية محددة او معينة، فإنه إنسان مَدِيْنٌ بالكامل والكمال لتلك المنظومة، والذي يدفعه ثمناً لهذا الدَيْنِ هو تسليم خاصية عقله وخصوصية تجاربه في الحياة والفكر وتجرده من روح النقد لصالح المنظومة الفكرية التي يَدِيْنُ لها؛ ومهما كانت طبيعة هذه المنظومة، كانت غيبية او وضعية، بمعنى اكثر بساطة، كانت تلك المنظومة دينية او غير دينية بالعرف السائد في اذهان الجميع، فإن المنتمي اليها، وهو في حكم المَدِيْنِ لها، مُتَدَيِّنٌ؛ ولا أرمي من هذا التناظر بين «المَدِيْنِ» و«المُتَدَيِّنِ» أن أفتعل تلازماً ولا رباطاً لغوياً بين «الدِّيْنِ» و«الدَّيْنِ». إنما هذا «التَدَيُّنُ» هو تصرف مجازي للتعبير عن قوة التلازم غير القابل للإنفراط ولا الإفراط و لا النقد، هذا التلازم الأقرب الى القداسة والتقديس، رغم أن المنظومات الفكرية الوضعية لا تجانب القداسة لا من قريب ولا من بعيد. ومن موقع الترابط الالتزامي ـ التقديسي ـ بين الانسان والمنظومة الفكرية التي ينتمي اليها، فإنَّ هذا الانسان يكون متديناً حتى وإن كان ممن لا يؤمنون بالغيب ولا يمارسون الطقوس الدينية والمذهبية، والتي درج الناس على وصف أصحابها و ممارسيها حكراً و حصراً بالمتدينين. فالتدين ليس حكراً إذاً على المؤمنين بالاديان الثلاثة التي تعرف بالسماوية و الأديان الاخرى المؤمنة بالغيبية والتي من طقوسها الموجبة الملزمة عبادة الإله الخالق، إنما الآخرون الذين هم خارج دائرة الممارسات الطقوسية والعبادة المنتظمة الملزمة تنطبق عليهم صفات التدين و الايمان من حيث الالتزام المتكافئ بالتقديس بمنظومة فكرية تتحول مجموعة افكارها وتعاليمها الى بنية عقائدية تترسخ في اعماق اللاوعي و تضاف الى مخزون العاطفة. وهكذا تخرج مجموعة الأفكار في المنظومة الفكرية من المختبرات العقلية للإنسان الى المخزون العاطفي، وتصبح تلك المنظومة الفكرية كياناً مقدساً لا يطالها النقد ولا المراجعة من قبل المؤمنين بها و العاملين على هدي تعاليمها؛ وتتحول تلك المنظومة الفكرية عند المؤمنين بها مفرزة لافكار تفسيرية لأصول الفكر و أفكار مستجدة على مقاس نصوص المنظومة و تفاسيرها للمعطيات الحياتية و قضاياها المستجدة والمتجددة. بهذا التتابع والتوالي و التلازم لحركة الانسان المؤمن مع منظومته الفكرية ـ العقائدية يستشعر هذا الانسان بامتلاك الحقيقة كلها ، و أن الآخرون على باطل و ان الحلول كلها مغروسة في تعاليم منظومته الفكرية ـ العقائدية. وهذا «الآخرون» الذين هم على باطل قد يكونون من نفس المنظومة الفكرية ـ العقائدية و لكن ينتمون الى فرع تفسيري أو تأويلي آخر . ومع تحول مجموعة الأفكار في المنظومة الفكرية من ملكوت العقل المفكر الى مخزون العاطفة المُفَضْفِضَة، فإن هذا الانسان الملتزم، مع مرور الوقت، ينحى الى أن يتبنى إعتقاداً راسخاً بأنه من المحرمات أن يطال النقدُ منظومته الفكرية، ولا حتى أي جزئ ولا منتج ولا تصور لهذا الفكر؛ وهكذا يتعطل الكيمياء النقدي في عقل هذا الانسان، ومع تعطل الكيمياء النقدي فإن نظرته وتصوراته تجاه الأفكار الاخرى والمواقف المغايرة لمواقفه لا تكون من نتاج التفاعل النقدي و إنما من فيزياء لملمات العاطفة بكل سطحيتها وسذاجتها وبمنتج دوني من مجموعة كلمات تتجمع في تعابير الحقد والكراهية والرفض غير المبرر، وفي الدرك الأسفل من هذه التعابير تتطاير مرادفات مفجعة من قاموس السَبِّ والشَتْمِ، ولا حياة لمن تنادي في فضاء الجدل والتجادل الفكري الهادئ الرزين؛ ذاك العالم الفكري الذي فيه الانسان يرى نقد الذات فضيلة ولا يتردد أن يمتدح فضائل من هم على خلاف معه. زبدة الرأي أن الالتزام اللانقدي لأية منظومة فكرية هو تقديس لتلك المنظومة بغض النظر عن طبيعة تلك المنظومة الفكرية، والذي يعني أن الالتزام قد تحول من كيمياء العقل الى فيزياء العاطفة؛ ومسمى التَدَيُّنَ ينطبق، واقعاً لا مجازاً، على اصحاب الالتزام العاطفي بالمنظومة الفكرية، كانت غيبية او ميتافيزيقية او وضعية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا