النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

غوستاڤ لوبون في سيكولوجية الجماهير ما له و ما عليه

رابط مختصر
العدد 9487 الثلاثاء 31 مارس 2015 الموافق 11 جمادى الاخر 1436

خرجت هذه الدراسة القيمة في علم النفس الاجتماعي في مرحلة التحولات الكبرى في أوروبا مع تنامي ظاهرة الحشود الشعبية و التحركات الجماهيرية، و كان لإطلالة المفكر الكبير كارل ماركس دور جوهري في هذا التحول، مع ندائه العمالي الشهير «يا عمال العالم اتحدوا»، وقد توالت التحركات الجماهيرية بمختلف اشكالها ومنها الإضرابات العمالية والحركات الجماهيرية الثورية، مع هذا النداء النابع من تشريح النظام الراسمالي في دراسته الموسعة «راس المال»، وهذه الدراسة هي الاولى من نوعها في تشريح نظام اقتصادي بكامل مكوناته وعلاقاته وتلمس مراحل نشاطه وانحلاله بفعل وحدة الأضداد في بنيته وتراكم الأزمات المتلازمة في طبيعة علاقاته الإنتاجية، كان هذا هو دور كارل ماركس في احداث التحول الكبير الذي أقض مضجع العالم النفساني الكبير غوستاف لوبون الذي كان ينظر الى الطبقات الشعبية نظرة احتقار و ازدراء، ولكنه لمس التحول الكبير في روح الجماهير الصاعدة والمتنامية مما أقنعه بأن البشرية مقبلة على عصر الجماهير، وأن الجماهير هي التي ستقرر مصير الدول والشعوب؛ وأبدى تخوفاً مرعباً من هذا التحول الذي، حسب قراءته، لا يمكن التكهن بمداه وما يمكن أن تؤول اليه البشرية؛ و هو بهذه القراءة يؤكد على حتمية سطوة الجماهير في العصور القادمة.   
هذا التحول الشعبي في حشده وروحه الجماهيري كان في مدى اللمس والبصر والسمع، ما أفزع الطبقة الأرستوقراطية وزبانيتها ومن يلف حول دائرة مصالحها من الكتاب والمفكرين، ومنهم العالم الكبير غوستاف لوبون ذات الميل الواضح الى إجلال النخبة الأرستوقراطية واعتبارها عنصر التقدم والحضارة، والنظر الى الطبقات الاجتماعية الاخرى باحتقار وازدراء، واعتبارها مصدر الشرور كلها وأضاف اليها أوصاف الهمجية و البربرية.
هذا الفزع على استقرار الحال والمآل لطبقته الاجتماعية كان الدافع القوي لدراسة ظاهرة الحشود الشعبية وتحركها الجماهيري، وقد أغنى مكتبة علم النفس وعلم النفس الاجتماعي بهذه الدراسة الرائدة في تفكيك عناصر المكون النفسي للجماهير والتي تختلف جذرياً عن المكون النفسي لكل فرد مندفع في الحشد الجماهيري.
ورغم القيمة العلمية لهذه الدراسة، إلّا أنها حالها حال غيرها من الدراسات، فهي عملة ذات وجهين، وجه يُحْسَبُ له في دقة وعمق وصحة منتجه في عمومه، ووجه يُحْسَبُ عليه في مفاصل غلبت عليها ذاتية الأنا وهواجسها خاصة وأن مورد هذه الدراسة بالذات هو الخوف من سطوة الجماهير ممزوجاً بالازدراء منها؛ وعندما يمتزج الخوف بالازدراء فإن الخوف يكون هو السيد الذي بلغ أعلى مراتب الرعب والفزع.
ما يُحْسَبُ له، حساب التقدير والإعجاب، في هذه الدراسة انه استطاع ان يكشف المستور في العوامل النفسية التي تُكَوِّنُ لهذه الظاهرة الجماهيرية الصاعدة، وقد تخطى التصورات السابقة والمفاهيم المسبقة بخصوص التحركات الجماهيرية، التي كانت عند الدارسين السابقين، الى آفاق الموضوعية وبمراتب أقل بكثير من املاءات الذات الحساسة والمتوجسة؛ والموضوعية في جوهرها تستند الى مبدأ ان الحقيقة دائماً هي خارج الوعي، ومن اجل الوصول اليها لابد من البحث خارج الذات وتصوراتها وضرورة البحث في المحيط الخارجي، فهو يُشَرِّحُ النفسية الجماعية للجماهير انطلاقاً من روحها التي تشكل نفسيتها المغايرة لنفسية أفرادها الى المفاصل السلوكية والنزعات المصاحبة لها والأفكار التي تستحوذ على الجماهير، و كيف انها تستجيب للشعارات المحفزة للاوعي خارج اطر العقل والفكر، وانها تنقاد الى الشخصية القوية القادرة على بسط سطوتها على الآخرين؛ ويعرج في تشريحه على ظاهرة التعصب التي تستحكم على اندفاعة الجماهير ونزعة الاستبداد فيها الى نقيضتها من نزعة المحافظة.
وما يُحْسَبُ عليه هو نزعته المضادة والمناهضة لحركة الجماهير دون الخوض في دوافع النخبة الطموحة التي تتمكن من لملمة الحشود و دفعها الى تحرك جماهيري فاعل، ودوافع استجابة شتات الأفراد الى الاحتشاد والتحرك الجماهيري؛ ويركز على ظاهرة الحشد والتحرك الجماهيري ويفكك مكوناتها النفسية دون التطرق الى العوامل الموضوعية التي هي نبت النخبة الطموحة القائدة وتربة القطاعات الشعبية التي تستجيب للتجمهر في حركة جماهيرية لها سيكولوجيتها الخاصة، الى درجة ان هذا الانسان في الحشد والتحرك الجماهيري يكتسب سيكولوجية اخرى، وكأنه إنسان آخر غير الذي تراه وتتعامل معه في دائرته الشخصية الفردية خارج التجمع الجماهيري. إضافة الى اعتماده على مفاهيم عنصرية في تشريحه لظاهرة الحركات الجماهيرية وكيف أن الحركات الجماهيرية هي ظهور للمخزون الوراثي للعواطف البشرية لكل عرق، ويميز بين عرق وآخر في طبيعة تحركه الجماهيري.
 وهو بالتالي يركز على دراسة الأعراض في ظاهرها الجمعي الجماهيري، وهذه الجماهيرية هي لُب القضية عنده، لانها هي القوة القادرة على تغيير الواقع القائم الى واقع لا يمكن التكهن بطبيعته وعلاقته بالنخبة الأرستقراطية السائدة والتي لا يمكنها إلّا ان تستعيش على قوة عمل الجماهير، و هو بهذا المنحى يكرس علمه وجهده الفكري من اجل اكتساب المعرفة والأساليب الفعالة لافشال الهدف من التحركات الجماهيرية وليس من اجل تطوير وتحسين الظروف الموضوعية التي خلقت وبررت، اجتماعياً و أخلاقياً، حركات الجماهير ذات السيكولوجية الخاصة بها. وهو بهذا المنحى يرى أن الحضارة السائدة، بتشكيلتها الاجتماعية المتعددة والسائرة في ركب النظام الرأسمالي، هي حضارة مثالية عادلة لا تشوبها شائبة وأن أي تحرك جماهيري لتغييرها هو عمل بربري وشرير، ولا نرى غرابة في ذلك لأن خوفه على موقعه الطبقي ضمن الأرستقراطية السائدة كان هو الدافع للبحث الذي قام به وافرز دراسته الشهيرة «سيكولوجية الجماهير».
  إنه في هذه الدراسة المركزة في حدود المائة والخمسين صفحة اختزل كل الأسئلة العلمية والبحثية في سؤال يتيم هو «كيف» ولم يرَ ضرورة بحثية لإدراج سؤال مهم ومكمل و هو «لماذا».
وبين ما له وما عليه، هناك الخلاصة المستنتجة التي يقر بها على مضض، وهي ان الجماهير هي التي خلقت التاريخ البشري.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا