النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10839 الأربعاء 12 ديسمبر 2018 الموافق 5 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

يــــوم المــــرأة العالمـــــي

رابط مختصر
العدد 9473 الثلاثاء 17 مارس 2015 الموافق 26 جمادى الاول 1436

جميع الشعوب في الدول المتحضرة في العالم تنتظر الثامن من مارس من كل عام لتحتفل بيوم المرأة العالمي، وهي تحتفل في هذا اليوم ليس فقط تكريماً للمرأة وعرفاناً لجمائل عطائها وتميز موقعها الفيزيو - انساني والاجتماعي - الأُسَرِي، بل تكريماً للإنسان الذي استطاع أن يستفيق من غيبوبته ويعود الى وعيه ويقر بجريرته ويعترف بذنبه ويعيد الحق الى نصابه ويخرج المرأة من سجون جهله بفضل نضال المفكرين التنويريين الذين بفضلهم تحطمت قيود الذل والعار التي كانت تكبل إنسانية الانسان في سجون غيبيات طقوسية صنعتها المصالح الانانية للإنسان الذكر المفتول العضلات وهو في عنفوان وحشيته وأنين جوع غرائزه، منذ بدايات تحسس ذاته وتاريخه، وشاءت مقتضيات الزمان أن تكالب الخشونة على النعومة، فصار الانسان الذكر الخشن العنيف يجد ضالته الطبيعية والمعيشية في استثمار الإنسانة الأنثى اللطيفة الناعمة، وكان هذا الذكر يجهل بالمطلق أن هذه الأنثى هي تربة النبت البشري في فردوس رحمها، ويكاد الرحم من سعة رحمته على الجنين السابح في فضاء ملكوته المعطاء أن يكون الفردوس الاول للبشرية جمعاء، ففي هذا الفردوس يحصل الانسان الجنين على كل مبتغاه دون عمل ولا مشقة ولا تعاسة ولا معاناة مثلما ذاك الفردوس الموعود. ورأت الطبيعة بمشيئتها الحكيمة أن تكرم الأنثى بفردوس الرحم في مركز الثقل من بنيتها، لأنها الاكفؤ رحمة وحباً وتدبراً وصبراً على تحمل المشاق والألآم، والأنثى بكل هذه الخصال اللطيفة الناعمة والسامية تكون بالفطرة أعلى حكمة من الذكر الخشن والمفتول العضلات. رغم إقرار هذا العيد العالمي للانسانية جمعاء وتتويج هامة المرأة فيه، إلّا أنَّ البشرية مازالت تشعر بالخجل والعار من وجود شرذمة من الدول التي مازالت المرأة فيها تعيش حياة الاستعباد في انتهاك كرامتها وحياة الاقصاء عن كامل حقوقها، فأما الانسان المتحضر في هذه الدول فإنه يحتفل بهذا اليوم الساطع بنور التنوير تحت أستار الخصوصية وفي حدود ما تسمح به شرعيته الشخصية التواقة لاحتضان المرأة وطبع قبلة الحب والتبجيل على جبهتها بعيداً عن شرعية دولته الناكرة لكرامة المرأة وحقوقها، والتي مازالت ترى في المرأة تلك الأنثى المباحة للاستمتاع والاستغلال والسبي والبيع في أسواق النخاسة، وأن ضرب المرأة ولطمها حق للرجل رغم كون هذه المرأة أمُّ الاسرة كلها. إنَّ الطبيعة قد ميزت المرأة، منذ ارتقاء الانسان الى كامل بنيته الجسمانية والذهنية والنفسية، بأن جعلتها حاضنة الانسان في كامل دورته التكوينية من النطفة والجنين الى كامل البنيان، وكان هذا هو التكريم الأصيل للمرأة، وليس من فخر للرجل بأن يحتفل بهذا العيد تكريماً للمرأة، لأن التكريم الأصيل الراسخ في جوهر العلاقة بين الجنسين قد سبق دور الرجل في التكريم، وما قام به الرجل هو الاستفاقة من غيبوبة الجهل الى حضور الوعي، ومع هذا الوعي فإنه، بهذا العيد العالمي، يكفر عن ذنوبه التي طالت المرأة ألوف السنين، حيث أن المرأة قد عانت ابشع انواع الظلم والعنت وإهدار الكرامة من قبل الرجل على مدي البصيرة المرتدة الى ظلمات التاريخ العصيِّ على التذكر والتدوين، إنما هي استبصارات للوعي المعرفي الحاضر في تحسس خيوط نور في تلك الظلمات، ومع تباين الرؤية لتلك الاستبصارات إلّا أن الحقيقة التي لا اختلاف ولا خلاف حولها هي أن الرجل قد استقوى على المرأة ظلماً وقهراً لمدى ألوف السنين، وأنه من واجب الرجل أن يتطهر من ذنوبه في حق المرأة بأن يقر للمرأة تلك المكانة السامية التي أختارت الطبيعة لها. رغم أن البشرية قد تخطت النقطة الحرجة من عصور الظلام الى عصر التنوير، فيما يخص موضوع المرأة، إلّا أن بعض خيوط الظلام مازالت باقية في عدد من الأنظمة السياسية مع وجود فئات من الناس التنويريين في ظل هذه الأنظمة الظلامية، وعلى النقيض من هذا الواقع هناك فئات من الناس الظلاميين في ظل الانظمة الديمقراطية التي تؤمن بحقوق المرأة وتشرع القوانين في صالح المرأة وحقوقها، هذا التبادل المتناقض بين الأنظمة وفئات المواطنين فيها، والذي يكشف عن وجود بقايا من خيوط الظلام والتي مازالت تعصف بحقوق المرأة وتمس من كرامتها. الأدهى والأمَرُّ أن الدول التي تقر بحقوق المرأة وتحتفل سنوياً بيوم المرأة العالمي وتشريعياً لا تفرق بين الرجل والمرأة إلّا أن هناك عددا من الممارسات الرسمية على مستوى مؤسسات الدولة والمؤسسات الاقتصادية مازالت تتسم بالتفاضل بين الرجل والمرأة في صالح الرجل. إن التقارير الواردة من مصادر المنظومة الأوروبية تشير بكل وضوح الى عدم التزام بعض الإدارات السياسية والاقتصادية وحتى التعليمية في أوروبا بالقوانين التي تلزم الدول الأعضاء بتطبيق قوانين المساواة في الحقوق، إلّا أن هذه القوانين يتم تغافلها وتخطيها، ففي المجال الاقتصادي مازالت المرأة تأخذ راتباً أقل من الرجل وفي الوظيفة نفسها، وكذلك حالات الاستغناء عن عمل الموظفين والعمال فان نصيب المرأة اعلى من الرجل في انهاء الخدمة الوظيفية، المراكز القيادية في جميع المؤسسات، العامة والخاصة، مازال نصيب الرجل في هذه المناصب يتعدى نصيب المرأة، وحتى في البرلمانات، حضور المرأة يتدرج من حدود الأربعين في المائة في دول الشمال الى أدنى من العشرين بالمائة في دول الجنوب الاوروبي. إذا كان هذا هو وضع أوروبا، القارة الرائدة في المسائل الحقوقية وخاصة حقوق المرأة، فما بال الوضع الحقوقي للمرأة في جغرافيتنا العربية والاسلامية، حيث أن أفضل القوانين عندنا تكون صياغتها هلامية وقابلة لتفسيرات متناقضة تتداخل فيها نبرات «عاداتنا وتقاليدنا وأصالة قيمنا»، ناهيك عن عدم وجود رقابة ادارية وقضائية للتأكد من تطبيق القوانين. المرأة على مدى جغرافيتنا كلها مازالت لقمة سائغة لأهواء الرجل، فالمرأة عندنا بعد لم تتخطى النقطة الحرجة من ظلام الاستعباد الى نور الحرية وكامل الحقوق، وهذا الاستعباد يتدرج من أشد أنواع الاستعباد دناءةً وخسة وهو السبي وسوق النخاسة، وخاصة في المناطق الواقعة تحت سيطرة المجاهدين في سوريا والعراق، وجريمة الشرف المخزية والتي تجبر الدولة المعنية أن تدس رأسها في التراب مع دفن كل ضحية، وزواج القاصرات وهُنَّ في عمر الطفولة الى كهول في عمر أجدادهن وتحت أنظار الدولة ومباركة مؤسساتها التقليدية، مروراً بحق الرجل في ضرب أُمِّ أبنائه وبناته وزجرها ونهرها وكأنها ناقصة قاصرة، الى مستوى الاستعباد الناعم حيث المرأة تنعم بحياة شبه مرفهة وتستطيع أن تخوض مجالات العمل بجانب الرجل ولها حق الانتخاب والترشح وسياقة السيارات والتزين في أرقى صالونات التجميل والى آخر تلك المظاهر البراقة ولكنها ناقصة والتي هي، في أصل حالاتها بفضل نضالات المرأة بمعيّة المتنورين من الرجال، وفي بعض حالاتها بفضل ما تجيز به القدرة النسبية للقوة الشرائية في المجتمعات المعنية، ولكن بين هذا وذاك هناك جملة أساسية من الحقوق لم تتحقق بعد. إن نقطة البدء للانطلاقة الى تأمين حقوق متساوية بين المرأة والرجل هي اللبنة الاساسية للمجتمع والدولة وهي الاسرة والتي تأتي علاقات تنظيمها تحت قوانين الأحوال الشخصية، وردهات المحاكم وملفاتها وتبعات أحكامها تشير بكل وضوح بان هذه القوانين المجزأة حسب الاعتبارات التاريخية والعقائدية والمذهبية بعيدة كل البعد عن فضاء حفظ حقوق المرأة وصون كرامتها، فإذا كانت الاسرة متشظية في العلاقة الحقوقية بين الأب والأم، وبالبداهة يقع الأبناء ضحية هذا التشظي، فكيف يكون وضع المرأة الحقوقي في المجتمع بمختلف أنشطته السياسية والاقتصادية والتعليمية وحتى الثقافية، والركن الثقافي وعلاقته بالحقوق نعني به ما تجيز به «الاعراف والتقاليد» للمرأة حدود التعبير بالمقارنة مع الحدود المسموحة للرجل. إن درب النضال أمام المرأة وامام التنويريين من الرجال مازال طويلاً ومحفوفاً باشواك الإرث، وحفر المصالح الانانية ومنزلقاتها، ولكن البصيرة الواعية ترى النور في نهاية النفق أكثر تلألؤا يوماً بعد يوم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا