النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

الثورات قد تعيد نفسها!

رابط مختصر
العدد 9470 السبت 14 مارس 2015 الموافق 23 جمادى الاول 1436

عندما ندير ظهرنا عن الأسباب الحقيقية والمباشرة، التي أدت إلى حدوث الثورة في عدد من البلدان العربية -وتحديدا تونس ومصر-، فإننا نكون بذلك كمن يمهد الطريق لحدوث الثورة من جديد. وهي مسألة حسب اعتقادنا، تنضوي في إطار التفكير المنطقي القائم على البرهان والاستنتاج بالأساس. بمعنى أن نفس السبب يؤدي آليا إلى النتيجة ذاتها. وما دام نفس السبب قائماً، فإن النتيجة قابلة للتكرار أو أنها بلغة العلوم التجريبية معرضة إلى حتمية التكرار: تراكم الخيبات والإكراهات الاقتصادية من بطالة وفقر.. كل هذا ينتج عنه آجلاً أم عاجلاً أنماط من السلوك الاحتجاجي، الذي تضبط حدة عنفها بقياس مدى حجم الإكراهات وتأثيراتها الاجتماعية والنفسية على الأفراد. ولعل ما حصل مؤخراً في تونس بمنطقة «بنقردان» الحدودية من احتجاجات بين الأهالي وقوات الأمن، ذهب ضحيتها شاب، تعيدنا إلى نقاشات الأيام الأولى لما بعد ثورة 14 يناير 2011، حيث لا حديث في تلك المرحلة إلا عن الخلل في الخطط التنموية والتوزيع غير العادل للثروات والفرص والحق في الكرامة المادية والمعنوية. غير أنه بعد حماسة الأيام الأولى وصراحتها، التي فرضتهما حرارة اللحظة ووقع الصدمة من حدث الثورة في حد ذاته، وما آل إليه من إسقاط للنظام، بدأ الحديث ينحرف تماماً في اتجاه نقاشات النضال من أجل الحريات دون سواها من المواضيع الحارقة التي على رأسها قضية التنمية. صحيح أن الحريات، مسألة ذات أولوية ومهمة جداً، وأنه لا كرامة مادية دون حرية معنوية وحقوقية ولكن التهميش الاجتماعي، أكثر أولوية والبطالة بالذات تستحق مركز الاهتمام. وليس من قبيل الصدفة المتكررة، أن تندلع دائماً الاحتجاجات ويبلغ الاحتقان ذروته في المناطق ذات الوضع التنموي المتردي والمحرومة من فرص العمل. وكما انطلقت شرارة الثورة من «القصرين» على إثر حادثة حرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه، وذلك تعبيراً عن الاحتجاج على وضعه الاقتصادي، فإن أهالي «الذهيبة» المنطقة المهمشة، التي يقتات سكانها من التجارة الحدودية مع ليبيا، قد ضاقوا ذرعا بالتضييقات، التي فرضها ملف الإرهاب والوضع المتأزم والمنفلت في ليبيا. والمتمعن في مضامين احتجاجهم، وأيضاً في الإضراب، الذي شنوه ونجح بنسبة مشاركة عالية جداً، يجد أن مشكلتهم مضاعفة ومركبة ومعقدة. فهم من جهة، تمكنوا من خلق حلول اقتصادية لهم في معزل عن الدولة وهي حلول متمثلة بالأساس في التجارة الحرة. وعندما تم إقرار الضريبة على المغادرة وردت الحكومة الليبية بالمثل، فإن التونسيين الذين يعيشون في المنطقة الحدودية وقعوا ضحية هذه القرارات ورأوا أن مكافحة الإرهاب تتم في جزء منها على حسابهم. لذلك فإن الإشكال ليس فقط –على أهميته القصوى– في الاحتجاجات والمواجهات التي حصلت بين الأهالي وقوات الأمن وما توازى معها من عنف وحرق، بل في وقوع هذه الاحتجاجات في منطقة حدودية مع دولة تعشعش فيها الجماعات التكفيرية، التي تضع الحدود ضمن الشق الجغرافي من مشروعها الجهنمي. أي أن أوراق الأزمة مبعثرة ومختلطة والمسيطر عليه فهي أقل بكثير من المنفلت. ولا ننسى في هذا السياق الإشارة إلى أنه لا قيمة لأي نخبة سياسية غير قادرة على تقديم الحلول واقتراح استراتيجيات تنموية ناجحة. كما نذكر في ذات السياق كيف أن البعد الاقتصادي للانتفاضات والاحتجاجات هو الأساسي والأكبر وسيظل دائماً محرك الأفراد والجماعات. لقد مرت سنوات أربع دون طرح جاد ومعمق لموضوع التنمية في تونس أو توفير البعض من الانفراج الاقتصادي للمناطق الكثيرة المهمشة. إن كل الحكومات التي تتالت، فشلت في معالجة أو حتى في الانطلاق في معالجة مشكلات هذه الجهات المستنفرة والمستعدة في أي لحظة للانفجار، باعتبار أن أسباب الاحتقان ظلت على حالها إن لم تتضاعف، خصوصا أن خطاب عدم امتلاك العصا السحرية، قد انتهت صلاحيته منذ تاريخ ما قبل الثورة وما عاد يحظى بأي تأثير. بيت القصيد، وما يجب أن تطرحه النخب الحاكمة على الطاولة أمامها للمعالجة –لا للنقاش البيزنطي وتفسير الماء بالماء– هو كيف توضع الحلول الاقتصادية الناجعة والسريعة للمناطق المهمشة ومعالجة أسباب الاحتجاجات العنيفة والاحتقان من جذورها لا من مظاهرها التعبيرية. وكم سيكون صعباً إرساء أسس تنمية في منطقة لا فقط منعدمة البنية التحتية بل أيضاً أصبحت استثماراً من استثمارات الجماعات الإرهابية. وطبعا من صالح هذه الجماعات أن يزداد الاحتقان ويتعاظم التوتر، كي تسهل عمليات الانتداب من جهة، وإضعاف الدولة من جهة ثانية. إن مشكلة الإرهاب أنه إذا دخل أي أزمة، فإنه يتحول إلى محرك أساسي لها ولاعب وفق سياسة فرق تسد. وهو ما جعل البعض من الساسة في تونس يعبرون صراحة عن تخوفهم من تدويل أزمة المنطقة الحدودية بين تونس وليبيا. عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا