النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مؤتمر مكة: إرهاب وأوهام

رابط مختصر
العدد 9463 السبت 7 مارس 2015 الموافق 16 جمادى الاول 1436

ما أكثر المؤتمرات والندوات الدولية والعربية التي نظمت حول «مكافحة الإرهاب» في المنطقة العربية وخارجها على امتداد السنوات ال 15، لكن ما أقل جدواها في تشخيص ظاهرة الإرهاب ومعالجتها، آخر هذه المؤتمرات، مؤتمر مكة «الإسلام ومحاربة الإرهاب» وقبله مؤتمر الأزهر «مواجهة التطرف والإرهاب» الملاحظة العامة الأولى على أوراق هذه المؤتمرات أنها تسلط الأضواء على الأسباب الثانوية للإرهاب بأكثر من تركيزها على العامل الرئيسي المولد للفكر الإرهابي، فعلى سبيل المثال، طالعتنا الصحف التي غطت مؤتمر مكة الأخير بالعناوين البارزة لأسباب الإرهاب مثل:انتشار الفقر، والبطالة، والظروف الإقتصادية الصعبة، والأمية، وغياب العدالة، والجهل بالشريعة، وعدم تطبيق الشريعة، والتسلط، إلى غير ذلك من الأسباب الثانوية، في تجاهل للعامل الرئيسي المنتج للفكر الإرهابي وهو «عقيدة التكفير» وزرع «ثقافة كراهية وبغض الآخر» في نفوس الناشئة، وهي آفات مزمنة مهلكة ملازمة لخطابنا الديني - خاصة - ولتعليمنا الديني - عامة - وقد آن الأوان لإعادة النظر فيهما، بهدف تنقيتهما من هذه الآفات وتخليصهما من تلك الأمراض الفكرية إذا أردنا كسب عقول ومشاعر أبنائنا وحمايتهم من أمراض العنف والكراهية. والملاحظة الأخرى على الأوراق المقدمة لهذه المؤتمرات، أنها تفتقد الموضوعية في الطرح، إذ تميل - عادة - إلى التوجهات السياسية والمذهبية للجهة المنظمة، فتسوق تفسيرات سطحية للظاهرة الإرهابية لا تقنع أحداً، إذ تبالغ في تعليق الإرهاب على جملة من الأسباب المتداخلة، السياسية والثقافية والاحتماعية والاقتصادية التى يصعب حلها كقضية فلسطين. لا يمكن للظروف الاقتصادية الصعبة أن تفرز إرهاباً، قد تنتج مجرمين كما جسده فريد شوقي في «جعلوني مجرماً» مجتمعاتنا عاشت ظروفاً صعبة قبل - لعنة النفط - ولم نسمع عن إرهابيين، شعوب عديدة تعيش تحت خط الفقر ولم تفرز إرهاباً، «الحرمان الاقتصادي» لم يكن في يوم من الأيام دافعاً للعمل الإرهابي، قد يكون دافعاً للسرقة والقتل، كيف نفسر الإقبال المتزايد على داعش من شباب غربيين يعيشون في يسر؟ كيف نفسر، شباب سعوديون يبيعون ممتلكاتهم ويستبدلون معاشاتهم في سبيل الوصول إلى «دولة الخلافة»؟ آلاف من الشباب التونسي المتعلم والميسور الحال يلتحقون بداعش ! «3» آلاف تركي من عائلات معروفة بالرفاه الإجتماعي والمالي يحاربون في صفوف داعش! أرملة كوليبالي «حياة بومدين» لم تكن تعاني فقراً أو مظلمة أو قهراً، لم تتمالك عند دخولها (أرض الخلافة» من التصريح «جميل أن أعيش على الأرض التي يحكمها شرع الله»! علينا مواجهة أنفسنا ومصارحتها، هؤلاء الذين انقلبوا علينا وسلوا سيوفهم ضدنا، لا يشكون مظلمة أو فقراً أو جهلاً، هؤلاء يعانون من «كراهية عميقة» مترسخة في نفوسهم ومشاعرهم و»فكر عدواني» مستحوذ على عقولهم وأذهانهم، هؤلاء طبع الله على عقولهم وقلوبهم، يعانون انغلاقاً فكرياً رهيباً، وإلا كيف تفسر تحول هذا الشاب الذي كان يعيش حياة اللهو في فلوريدا، يعشق الهوكي ويصيد الأسماك، يترك هذه الحياة ويجند نفسه في صفوف داعش؟! لا علاقة للإرهاب بالأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية ولا قضية فلسطين أو ظلم الأنظمة وفسادها، كلها عوامل ثانوية، قد تثير تمرداً أو احتجاجاً أو وثورة، لكنها لا تنتج إرهاباً، الإرهاب يبدأ ب «التطرف الفكري» الذي يزرع في العقل ويشحن «الوجدان» بكراهية الآخر وبغضه وتكفيره، وخطاب ديني تحريضي من منبر أو موقع الكتروني، لينتهي بقنبلة مدمرة للحياة والأحياء، لا يمكن تبرير الإرهاب بأنه ردة فعل طبيعية ضد مظالم الحكومات العربية أو مظالم الحكومات الغربية، ما ذنب الإبرياء في الأسواق والمجمعات ومحطات القطارات والطائرات؟! للأسف، لا زالت المؤتمرات والندوات الدولية والعربية تردد أفكاراً ساذجة حول أن الإرهاب تعبير عن أزمات اجتماعية او اقتصادية أو سياسية، هذه الأطروحة هي الأكثر تداولاً في الساحة الغربية والأمريكية، حتى أن الرئيس الأمريكي «أوباما» اصبح يرددها، مؤخرا، محملاً الحكومات العربية المسؤولية عن عدم معالجة المظالم والفساد والحرمان من حقوق الإنسان وكذلك وزير خارجيته «كيري» الذي كتب مقالاً عن «التطرف العنيف» باعتباره مسبباً عن الفساد وعدم حصول الشباب على وظائف! مثل هؤلاء مثل من برر الإرهاب بغياب الديمقراطية أو إخفاق ثورات الربيع العربي، وكأن المجتمعات الديمقراطية لا تنتج إرهاباً؟! الذين تركوا الأوطان وتسللوا وتكبدوا المشاق، وصولاً إلى «جنة داعش» لم يفعلوه عن فقر أو قهر أو ظلم، وإنما جهاداً لنصرة «دولة الخلافة» أو استشهاداً طمعاً بالفوز بالجنة! يقولون ان داعش تغريهم بالمال، فهل يضحي الإنسان بنفسه من أجل المال؟! وفاء الشهري، ريما الجريش، د. إيمان البغا، وغيرهن اللاتي هاجرن إلى داعش لم يفعلن ذلك عن ضيق ذات اليد إو جهل أو لأن هناك من غرر بهن، بل فعلن ذلك عن قناعة وعقيدة بأن عملهن «جهاد» فرض! وكذلك المراهقات البريطانيات الثلاث القاصرات اللاتي هربن من أسرهن للاتحاق بداعش، لم يفعلن ذلك عن فقر بل رأين في الهجرة، واجباً دينياً! السعوديون الدواعش كانوا الأكثر استماتة في «كوباني» وأختاروا أخطر المواقع المعرضة للقصف، لماذا؟ لإنها - بحسب زعمهم - أقصر الطرق إلى الجنة! «ذباح داعش» قاطع رؤوس الرهائن، بريطاني، كويتي المولد، من عائلة ميسورة، مهندس كمبيوتر؟ ومن هنا ندرك، بأن كل التفسيرات التي تقول، أن الإرهابين، حمقى أو مرضى نفسين، أو يشكون فقراً أو مظلمة، او ان هناك من غسل أدمغتهم أو أن المخابرات الإمريكية أو الإسرائيلية غررت بهم، نوع من الأوهام والأساطير. لن يحل الإرهاب، بحل مشكلات الفقر والجهل والفساد والظلم ولا حتى قضية فلسطين، لا حل للإرهاب إلا فكرياً وثقافياً من خلال تعليم متطور، وخطاب ديني يحتضن الإنسان، ومعلمين هداة، ومنابر ومؤسسات ثقافية تحصن الناشئة من أفكار التطرف. ختاماً: فإن أزمة استمرار الإرهاب هي أزمة فكر مريض لم نحسن تشخيصه، الفكر التكفيري هو المنبع الأساسي للإرهاب، وعمليات التفجير هي الثمار المرة لأيدلوحية التكفير، لا يفجر الإنسان نفسه إلا للجنة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا