النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

النخـــــل طّلـــــع

رابط مختصر
العدد 9460 الأربعاء 4 مارس 2015 الموافق 13 جمادى الاول 1436

قالها: عجيبة؛ السماء ملبدة بالغيوم والغبار الكثيف؛ والبرد؛ خصوصاً في الفجر لاسع، والماء في الحنفيات بارد وحتى الآن لم نتخفف من ثياب الشتاء البعض يقول “البطين” والبعض يقول: “سعد بلع” والبعض يقول “العجوز” وكلها طوالع الشتاء، ورغم ذلك فإن النخل “طّلعْ” وبدأ النخلاويون في تنبيت النخل، وغداً سنرى “الحبمبو” وبعدها “الخلال” ومن ثم “البسر”؛ فالرطب. ما تعليقك يا صاح على هذه الظاهرة؟! قالها: وهو يتأمل في وجهي، ولم ير مني سوى الإبتسامة، فقال: وعلم تبتسم؟! فقلت له: عجباً من أمرك يا عزيزي فالنخل في بلادي على العهد به دائماً معطاء لا يبالي بتقلبات الأيام، ولا تزعجه مظاهر النكران والجحود والنسيان هو يأتي في وقته، ويذهب في وقته ليذكرنا دائماً بأننا علينا أن نؤمن بأن تصاريف الزمان تأخذ مجراها وعلينا إما مسايرة بعضها، أو معالجة بعضها الآخر، أو الصبر على الشدة حتى تزول. النخل في بلادنا رمز من رموز العطاء هو محل تقدير وإحترام من الجميع؛ فرؤية النخيل تضفي على النفس السرور وتبعث على الإرتياح؛ رغم تغير الحياة وتعقدها وتشابكها؛ فالبحريني يحب أن يزرع النخيل، ويحب أن يقضي وقته في رعايتها وتنظيمها وتنظيفها وإذا تعذر عليه ذلك كلف من يقوم بالواجب عنه، لكنه لا يمل النظر إليها، بل ربما عندما تضيق به الدنيا يتأمل في خوصها، وسعفاتها وجذعها وكربها وطلعها وبسرها ورطبها حينئذ ينسى الهم الذي هو فيه. سألني جدي لأبي محمد بن صالح الذوادي يرحمه الله عندما سكنت في بيتي بمدينة عيسى سؤالين مهمين قائلاً: “هل جاورت مسجداً؟ وهل زرعت نخلاً؛ ويومها لم يكن مسجد “فاطمة” بمدينة عيسى قد انشىء ولم أبدأ بعد في زراعة النخيل، فقلت له: “يا أبي لم أحظى بهذا الشرف بعد”. فقال: “أما المسجد فهو من بيوت الله وأرجو من الله أن يمن عليك بحسن هذا الجوار، أما النخل فعليك أن تبدأ به من الآن، فكانت نصيحة جدي يرحمه الله وصية غالية وأمنية مبتغاة. وقيض الله بأن أنشيء مسجد فاطمة على بعد خطوات من بيتنا، وزرعت ما تيسر من فسيل النخل، وكانت يومها وزارة البلديات توزع شتلات النخيل من مركز التجارب الزراعية بالبديع أيام مهرجان التراث الشعبي الذي يقام بمتحف البحرين الوطني على المواطنين رغم أننا لا نعرف أنواعها وأشكالها وتصنيفها “فسيلة” أم “فحالاً” وعلى رأي مفهوم “الجندر”؛ ذكراً أم أنثى وعلى نياتكم ترزقون؛ والصبر مفتاح الفرج ووفقنا الله أن تكون فسائل النخل مثمرة فيما بعد. النخيل في بلادنا ليست منظراً فحسب؛ بل هي تحمل في معانيها مضامين إجتماعية، وعادات وتقاليد؛ وقيّم، ولا نبالغ إذا ما قلنا تجارة وإقتصاداً؛ فقد كانت النخيل مهنة للبعض يترزق منها سواء في العناية بها، أو الإستفادة من خيراتها؛ ففي كل جزء من أجزاء النخلة منفعة وفائدة، والناس في بلادي كانوا يتهادون ثمار النخيل؛ فكان ذلك يقربهم من بعضهم بعضاً، والأطفال يفرحون “بالقلائد” من الخلال عندما يشك الخلال كعقود مزيناً بزهور ثمار الرمان ولا يهم إن إتسخ الثوب؛ ففرحة الصغار تتجسد في براءتهم وفرحهم بلبس “القلائد” أو بلهجتنا المحلية “الجلايد”. وفي كل مرحلة من مراحل النمو يقترب الناس أكثر في فرحهم بخيرات النخيل والأسواق عامرة بأشكال وأصناف الرطب، والعذوق تتدلى كثريات الكرستال، فعطاء النخلة لا يقف عند حد فمنها “الجريد”، و”الكرب”، و”الليف” و”الجذب” ومنها “العسو” و”الخوص” وقد تفنن البحرينيون في خلق مهنة من هذه الفوائد واستخدموها فيما ينفعهم ويدر عليهم مصدر الرزق بعضه يستهلكونه في السوق المحلي والبعض يتم تصديره إلى البلدان المجاورة. يعجز المرء أن يعدد فوائد النخلة ولكننا في كل عام عندما يحين عطاء النخيل نتذكر تلك الأيام التي عاشها الأجداد والآباء وكانت علاقتهم بالنخيل علاقة خير ومنفعة ليست لهم فقط وإنما لوطنهم. يفرحني كثيراً عندما أرى بيوتاً ولو بسيطة تزرع النخل، وعندما أرى شارعاً وعلى جانبيه أشجار النخيل ويعجبني أن أرى إهتماماً من المسؤولين في رعاية النخيل؛ فبلادنا امتازت على مدى تاريخها القديم والحديث والمعاصر بتقدير وحب النخلة وإنزالها المكانة التي تليق بها، وأرجو مخلصاً أن نؤكد على هذه المحبة والمكانة لتبقى النخلة عنواناً ورمزاً للعطاء والبذل والصبر والقناعة والرضى والحب والتسامح والوفاء. وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا