النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

تصارع الإنسان مع نفسه

رابط مختصر
العدد 9459 الثلاثاء 3 مارس 2015 الموافق 12 جمادى الاول 1436

يكاد أن يكون الصراع بين الانسان وأخيه الانسان لزيم بهذا الكيان الذكي والمفكر والمبدع والمبتكر لزوم الدم من الحياة في الوجود، وكأن هذا الانسان قد كُتِبَ عليه همجية الصراع وآلامه بالرغم من وعلى الرغم من تمتعه بملكة الفكر، هذا الفكر الذي من المفترض فيه ومن المتوقع منه أن يكون جوهر التمييز بين الخَيْرِ والشر، بين الصالح والطالح، بين الطيب والخبيث، وأن يكون بمقدوره أن يرتقي بالانسان إلى مراتب الحكمة والتحضر والرقي التي تُغَلِّبُ عنده لغة الحوار والتفاهم على قعقعة السلاح ووحشيته والتخاصم والتعارك. ولكن يبدو أن هذا العقل المنتج للفكر مازال في طور النمو والاختبار، وأنه لم يكتمل بعد ليعبر عن ذاته السامية، ومثلما يوضح العالم النفسي غوستا لوبون في دراسته القيمة «سيكولوجية الجماهير» فإن الذي يتحكم في سلوك الانسان هو ذاك المحرك الكامن في بواطن النفس من الموروثات المتراكمة عبر العصور، وأن هذا المحرك يتخطى قدرات العقل ويعطله في توجيه الانسان عند تعامله مع أخيه الانسان، إنه التراكم الجيني الذي يؤسس الملكة النفسية - الشخصية في الانسان، ومكمن هذه الملكة النفسية هو الطبع الأسير لمقتضيات الغرائز. إن تلازم الصراع مع الانسان قد رفع من شأن رواد الصراع ومحفزيه وقادته الى مراتب البطولة والعظمة، فسطور التاريخ في مجملها تتحدث بوقار وتعظيم عن الغزاة والفاتحين، ولكن هذه السطور المسطرة على هوى المنتصرين تغفل وتتغافل عن ذكر معاناة الانسان المهزوم ودناءة الروح الشرسة للمنتصر، ويبقى السؤال، المصاحب لهذا الصراع الابدي، المحير: «هل الصراع ضرورة؟»، وتستتبع هذا السؤال الجوهري أسئلة مكملة وهي على سبيل المثال لا الحصر: أما كان بمقدور العقل أن يكبح جماح النفس وينقذ الأرواح ويحافظ على ما بناه الانسان وما أسسه من مدنية وحضارة، هذه الحضارة التي يتباهى بها الانسان كونها النتاج الراقي الى مراتب السمو؟، أين هذا العقل وتلك الحكمة التي يتبجح بها الانسان؟، ألم يعلمنا التاريخ أن منتصر الامس هو مهزوم اليوم، وأن الانسان يعيش بين مد وجزر، وأنه لا غلبة لفئة على أخرى غلبة أبدية، وأن الغالب والمغلوب يسبحان في فلك التبادل، وأنه بالمحصلة، لا الغالب غالب ولا المغلوب مغلوب، وأن الغالب الوحيد هو بربرية النفس التي مازال بمقدورها كبح العقل، وأن المهزوم بالمطلق هو العقل، وهكذا يكون الانسان هو المهزوم في حالتي الانتصار والهزيمة؟ ألسنا نتغنى بالمثل القائل «ما طار طير وارتفع إلّا مثلما طار وقع؟»، أين هذا الانسان العبقري من منابع حكمته وخزينة حكمه وامثاله التي تتغنى بإنسانية راقية، بينما صاحب هذه الحِكَمَ والأمثال بعدُ لم يرتق الى ما يتغنى به وبها، هذه بعض من الأسئلة محيرة، وهذه الحيرة هي شكل من أشكال إنتقاد الذات والاعتراف باستحياء على عجز العقل أمام جبروت النفس، العقل الحكيم أمام النفس الجبارة. الانسان في تذبذب وتراقص بين الحكمة والجبروت، مع انجذاب متهافت الى الجبروت، بينما أنظاره شاخصة على الحكمة ولسان حاله يقول بأن لا حول له ولا قوة. إن هذا الصراع الذي تفرضه النفس الجبارة على سلوك الانسان وافعاله يلبد رؤية الانسان بنقع غبار التصارع حتى صار الانسان يهلوس ويتهلوس في رسم صور الصراع الدائم في حياته، فهو يلقي تبعة الصراع واسبابه على غير موارده وحتى اسبابه، فمن الرسوم السائدة الى درجات اليقين والتأكيد هي الادعاء أن الصراع بين شرق وغرب، بين حضارة وحضارة، بين دين ودين، بين مذهب ومذهب، بين عرق وعرق، وهكذا تتابعاً بين هذا وذاك الى ما تهوى النفس أن ترسم وهي ملبدة بغبار التصارع. نسمع ونقرأ كثيراً، ومن مصادر مختلفة متعددة، عن واقع التعارك على بساط الجغرافية العربية، إن كان هذا الصراع من النحر والتناحر والسبي والتهجير وتدمير المدن واستهداف المعابد يمثل خطورة على الغرب من مورده الاسلامي، رغم ان شراسة الصراع وتداعياتها حامية الوطيس على العرب أرضاً وشعباً، وهذه التساؤلات تحمل في ثناياها الإجابة من مرادفات السؤال، وكأن السؤال جواب بحد ذاته بأن «الاسلام» فعلاً يمثل خطورة على الغرب، رغم أن هذا «الاسلام» كان موضع ترحاب وتمجيد وإجلال خلال فترة ما كان يسمى بالجهاد ضد السوڤييت في أفغانستان، ومعظم هذه التساؤلات ترد من الاعلام في الغرب. في مقابل هذه التساؤلات من الغرب هناك اليقين في الشرق العربي والاسلامي بأن الغرب يستهدف الاسلام ديناً، وأن هذا الغرب في محاربته العرب والمسلمين يريد النيل من الاسلام نهجاً وعقيدة، رغم أن الغرب ساهم في إنشطار البوسنة، ذات الأغلبية المسلمة، عن باقي ارض يوغوسلافيا، وكان الغرب يوسم الصراع على الارض اليوغوسلافية بالحرب بين المسلمين والصرب، ووقف الغرب بكل جبروت قوته وعنفوان قدراته الى جانب الأقلية المسلمة ليدك أركان الدولة اليوغوسلافية ويفككها الى عدد من الدول منها دولة إسلامية على رقعة من الجغرافيا الأوروبية. الاعلام والاعلام المضاد على ساحة الصراع في الشرق العربي يعكس صور الصراع بانتقائية تساهم في معادلات التحليل حتى يََصُبُّ نتاج التحليل في المصب المطلوب، لا واقعية ولا موضوعية ولا عقلانية ولا حيادية، بل تكملة للرسوم الموضوعة والهادفة الى تحقيق المبتغى ممن هم في موقع القدرة والخطط الطموحة، أو الطواف حول كعبة الأحلام ممن لا رسم عندهم ولا خطط ولا قدرة بل ردود أفعال ولا حول لهم ولا قوة. الاعلام هو لسان حال الانسان في صراعه مع أخيه الانسان، ولكلِ خندقٍ إعلامه وكُتّابُهُ وأدواته، وهكذا أضحى الاعلام ساحة، مرئيّة ومسموعة ومقروءة للصراع، وتوسعت دائرة الصراع بين الانسان وأخيه الانسان بإدخال الاعلام في هذه الدائرة واعتبار الاعلام عنصراً في كيميائية الصراع. الاعلام الذي يتربع على عرش منظومته رجال قلم وفكر تم تجنيده لصالح الصراع، وأصبح فريق من أصحاب العقول المفكرة أدوات لصالح أصحاب النفوس الطموحة، وفي هؤلاء النفر من اصحاب الفكر استسلم العقل المفكر الرزين للنفس الطموحة التواقة الى الاستحواذ والاقصاء والتَمَيُّزِ بالذات وللذات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا