النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

أينَ الإرهاب من الحرب؟

رابط مختصر
العدد 9452 الثلاثاء 24 فبراير 2015 الموافق 5 جمادى الاول 1436

لا ضير ولا خوف ولا حذّر ولا وجل ولا حتى جهد فكري بحثي من أن نرفع العقيرة ونصرخ بأعلى نبرات الغضب والاستنكار والتنديد واللعن والشتم: إرهاب... إرهاب... إرهاب، لعن الله الاٍرهاب، الاٍرهاب كُفْرٌ يُكَفِّرْ، الاٍرهاب إنحرافٌ يُحَرِّفْ، الاٍرهاب قتل ونحر للابرياء، الاٍرهاب سبيٌ وسوق نخاسة، الاٍرهاب نبتة شر لا بد من إستئصالها، هذه شرذمة خارجة على الدين، هذه عصابة لا تمثل الاسلام، والأنكى من كل هذه الصرخات هي صرخات الثأر والانتقام، وكأن الامر شأن شخصي أو عائلي او قبلي. كل هذه الصرخات الغاضبة، وأكثرها صرخات تتصنع الغضب، لم تعبر عن كلمة واحدة تُشَخِّصُ بها هذا الحال من الاٍرهاب وما هي دوافع هذا الاٍرهاب ومن المتمصلح من الارهاب. المراكز الدينية والدهاليز السياسية كلها تسب وتشتم وتلعن الاٍرهاب دون توجيه أصابع تهمة الى أي جهة يمكن أن تكون هي الجهة الرئيسية، مع الجهات المتحالفة وتلك المتواطئة، التي تصب جرائم الاٍرهاب في صالحها، بينما الشعوب العربية تكتوي بنارها. الكل قادر أن يخفي حياءه بفرط من الاستحياء المصطنع مجرد من مسحة الخجل، وأكثره وأعلمه ذاك الذي يخفي تحت الحياء، المُتَشَرِّبِ بمحاذير الذات خوفاً من المجهول على الذات، علماً متيقناً بالأيادي التي تفعل الاٍرهاب وبالاموال التي تروي ظمأ الاٍرهاب وتطعم جوع الاٍرهاب وتدجج الاٍرهاب بالسلاح والعتاد وتكسي الاٍرهاب بأنماط وأشكال منمّقة راقية من البزات العسكرية والمدنية والبدلات البرتقالية للمساجين والأسرى والتي طرزت وخيطت من خيرة الأقمشة بتلاوينها حسب الرتبة والمكانة والوظيفة، هذا الذي يتسمى إرهاباً يملك كل مكونات الدولة التي تؤهلها لان تكون مقومات دولة، وبالرغم من كل هذه القدرة المحفوفة بالدعم والتمويل المتواصلين الى درجات الديمومة فإن وسائل الاعلام العربية تتحدث عن شرذمة وعصابة وتجمعات منحرفة وكأن هذا الحال من حال الجرائم الاخرى رغم ضخامتها ومساسها بكيانات دول عريقة، ولكنها تضفي عليها صفة الاٍرهاب لتمييزها عن الجريمة التي تقتضي التعاطي القضائي معها، وكأن الاٍرهاب مجرد جريمة ولكن درجة الاجرام فيه أشد وأقسى، وهكذا يكون الاٍرهاب هو الغول المجهول الذي يتخفى تحته غول معلوم. وبالمحصلة فان وسائل الاعلام هذه، وبتماهٍ من مراكز القرار الديني والسياسي، تساوي بين الجريمة، التي هي تحت سلطة القضاء، والاٍرهاب الذي يتخطى سلطة الدولة بكل مكوناتها من سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وسلطة قضائية وبنية ثقافية الى التمكن من الاستحواذ على كامل السلطات وتغيير البناء الثقافي. ومثلما للجريمة أركانها والدافع الى الجريمة هو محور الأركان كلها، كذلك للارهاب أركانه حيث الدافع اليه هو محور أركان الاٍرهاب. هذا هو حال الاعلام العربي الذي ارتد عن وظيفته الوطنية والقومية والانسانية الى متاهات التشويش على القارئ والسامع حتى صار هؤلاء المتلقون لا يعلمون عما يحاك حولهم وضدهم سوى كلمة مبهمة تسمى «الاٍرهاب»، وكأن الاٍرهاب غول قد خرج من قمقمه أو رتل من الغزاة من كوكب آخر لا علاقة له بالواقع الوطني المكنون بشرارات التناقض والأزمات، والقوى الإقليمية المتربصة، والقوى الكبرى ذات المشاريع الكبيرة، وهذا الوطن المثقل بالتناقض والأزمات في عموم العالم العربي تحيط به انتهازية إقليمية ومعادلات دولية على طاولة روليت لعبة الامم. إن الكارثة العاصفة بالمنظومة العربية، وبالوتيرة التي تنتشر بها. يبدو أنها تستهدف الكل ولا تستثني قطعة دولة من قطعة دولة أخرى، كلها على بعضها وجبات متتالية ولكل وجبة موعدها، ولا شفاعة لأي منها مهما حاولت وجهدت إرضاء سادة العالم الكبار من بارونات السياسة الذين تقودهم شرذمة من بارونات المال متربعة على ثروات الامم كلها، وهي تسعى سعي الذئاب للمحافظة على مكانها ومكانتها وقدرتها وسلطتها العالمية. هذه القطع المتراصة من الدول العربية هي ذاتها تعيش حالة التشرذم والانشطار وتتعارك فيما بينها من موقع استراتيجيات متلاطمة مبهمة لا تخدم أصحابها بل تصب في خدمة أصحاب المشاريع الكبيرة، ونكاد أن نؤكد بأن زعاماتها على يقينِ علمٍ بالأمر، ولكن يبدو أن لكل مركز من مراكز القوة والسلطة رؤيته لمجريات الأحداث على المدى المنظور وكيفية التعاطي معها أملاً في ديمومة سلطانه، والعهدة على صاحب الرؤية، والتاريخ هو الحكم اعتماداً على حساب الربح والخسارة لصالح الشعوب أو على حساب الشعوب. ولكن، وبكل صراحة ووضوح، مهما تصاعدت أصوات الاستنكار وارتفعت حرارة الغضب فإنها لا تحرك ساكناً، لأنَّ الذي يجري على عموم الساحة العربية لا يمكن اختزاله في «الاٍرهاب» بل هي حرب شبه كونية، وما هذه السلوكيات الطقوسية من نحر وذبح وسبي وتشريد وتجارة رقيق سوى تداعيات تقتضيها ضرورات هذه الحرب من أجل تحقيق النتائج المرجوة لمشروع كبير كبير لا يمكن تحقيقه، حسب حسابات مالكي وسائل المشروع، إلّا بالحرب، وبحرب ممزوجة بأدنى دناءات طقوس الاٍرهاب، والاٍرهاب ذراع من أذرع الحرب. لهذه الحرب سيدٌ ولهذا السيد أصحاب مصلحة، وهذا السيد يستثمر أدواته، وهذه الأدوات توفر للسيد المال والرجال والعتاد والمأوى والطعام وتفتح له الارض والحدود وتنظم له أثير الاعلام. إنَّ المشروع الكبير يقتضي الحرب، وهذه الحرب أضخم بكثير من طقوس الاٍرهاب. إنَّ «الاٍرهاب» قد فَرَّطَ «الحرب» من أذهاننا، فأصبحنا سجناء الاٍرهاب بينما تفعل الحرب فعلها تحت أنظار المشروع الكبير. فهل بمقدورنا ومن ذات قرارنا أن نسمي الأشياء بمسمياتها، ونعلن للشعوب العربية قاطبة وللعالم أجمع بأننا نتعرض لحرب نوعية وليس فقط لطقوس ارهابية، ومن هم وراء هذه الحرب وما أهدافها وما هي آثارها على مجمل الجغرافيا السياسية للعالم العربي، وما هي تبعات هذه الحرب في حالتي الفشل والنجاح، وكيف يمكن التعاطي مع هذه الحرب النوعية حتى يكمن المحافظة على أرواحنا واراضينا وثقافتنا، إِنْ كان في الوقت متسع لنا؟ سؤال كبير ومؤلم، والإجابة عسيرة وقد تكون أكثر إيلاماً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا