النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

نحو تعزيز الدولة الوطنية

رابط مختصر
العدد 9449 السبت 21 فبراير 2015 الموافق 2 جمادى الاول 1436

تواجه «الدولة الوطنية» تحديات غير مسبوقة، تنظيمات تحمل السلاح وتستهدف تدمير بنية الدولة وإضعاف المجتمعات العربية وتفويض مفهوم المواطنة، بل تدمير إنسانية الإنسان، نحن اليوم نعيش مرحلة ما يسمى بـ «اختطاف الدولة» وسقوطها في أيدي ميليشيات مسلحة تعتنق ايدلوجيات شمولية تريد الهيمنة على الدولة والمجتمع بقوة السلاح ومن ثم تفكيك مؤسسات الدولة الحيوية وبخاصة «الجيش» وهكذا ينهار مفهوم الدولة لصالح كيانات انفصالية متطرفة، عشائرية ومذهبية وطائفية، إن أخطر ما تمر به المنطقة العربية، هذه المرحلة التي تتشظى فيها الدولة إلى «اللا دولة» لتعم الفوضى والاضطرابات والصراعات فلا يؤمن الإنسان على نفسه وأسرته وماله بل وإنسانيته، لو استرجعنا أدبيات ضرورة الدولة ومبرراتها العقلية والشرعية والمصلحية والتي تقول ان الإنسان كائن اجتماعي لا بد أن يعيش في مجتمع لأنه بحاجة للتعاون مع غيره لتلبية احتياجاته المعيشية، ولكن الاجتماع الإنساني يلازمه التنازع المؤدي إلى المشاحنات والحروب والفوضى، بل وقد تؤدي إلى الهلاك في ظل غياب دولة قادرة على منع تعدي الإنسان على أخيه الإنسان، أدركنا كم نحن بحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وتعزيزه. لقد توحشت التنظيمات المتطرفة وداست كل القيم والثوابت وانتهكت كافة المقدسات، ترى هل كان داعش قادراً على ارتكاب فظائعه التي فاقت كل الفظائع، لو كانت هناك دولة وطنية قوية في العراق وسوريا؟! عندما تضعف الدولة أو تسقط تخرج الأرض العربية أسوأ ما في باطنها من غرائز دونية متطرفة، وهويات ضارية فتاكة لا تقيم أي وزن أو اعتبار لأي قيمة إنسانية أو دينية، ثورات «الربيع» كانت «ردة فعل» على الأوضاع المتردية سياسياً واقتصادياً وثقافياً، على امتداد (6) عقود في ظل ثوار انقلبوا على ملكيات حاكمة، وعدوا الجماهير بشعارات كبيرة ثم أخفقوا وجروا الهزائم والخيبات على أوطانهم، ولكن أسوأ ما في هذه الثورات، إضعاف «هيبة» الدولة مما أتاح للمواريث القمعية الإقصائية المختزنة بالظهور لتعيث في الأرض فساداً عريضاً، تقتل وتفجر وتدمر وتروع وتهجر ملايين البشر من أوطانها الآمنة، ما كان لداعش والقاعدة وأخواتها أن ينشطوا ويجتذبوا «مرضى العقول» من شبابنا وشباب أوروبا، وينتشروا كالسرطان في الجسد العليل ويشكلوا «طاعون العصر» لولا ايدلوجيات سبقت على أيدي قوميين وإسلاميين، دأبت على امتداد نصف قرن على هجاء «الدولة الوطنية» باعتبارها مخلفات استعمارية، القوميون من جهتهم رأوا في الدولة القطرية، تعويقاً للحكم القومي الوحدوي، والإسلاميون من جهتهم، اعتبروها معبراً إلى الحلم الإسلامي دولة الخلافة، ها هو «داعش» اليوم لسان حاله يقول: لقد حققت الحلمين، ألغيت حدود سايكس بيكو الاستعماري -طبقاً للقوميين- وكونت «دولة الخلافة» طبقا للإسلاميين، وبطبيعة الحال، فليس الهدف من هذا التفكيك، لوم التيارين السائدين، فلكل مرحلة منطقها ومقتضياتها وشعاراتها الحماسية التي قد يكون منطلقها النوايا الصادقة في تجاوز الاوضاع السلبية، ولكن الهدف -هنا- توضيح وتأكيد ما قرره -مراراً- المفكر الكبير علي حرب حينما قال «إن ما ندافع عنه أو نخشى عليه أو نعلي من شأنه، قد يكون هو مصدر الفشل والإخفاق، لو كان تقديس المعاني والرموز أو المثالات والنماذج مجدياً، لما حصدنا كل هذا الشقاء بعد قرون طويلة من العمل تحت يا فطتهة» هذا أولا، ثانياً: إن ضعف مفهوم «الدولة الوطنية» في الوعي الجمعي العربي، يرجع بشكل أكبر إلى إخفاق الدولة الوطنية الحديثة ومنذ الاسقلال في إعلاء قيمة «الانتماء الوطني» وتكريسه في التربة المجتمعية باعتبارها «الولاء الأسمى» فوق كل الولاءات والانتماءات الأولية الأخرى، الطائفية والقبلية والمذهبية والأيدلوجية، لم تتحول الدولة الوطنية إلى دولة القانون والمساواة والحرية والحقوق المدنية واستقلال القضاء والإعلام الحر، لم تستطع الدولة الوطنية دمج مكونات المجتمع الواحد «دمجاً طوعياً حراً» في «رابطة وطنية جامعة» عبر تشريعات منصفة، وعدالة اجتماعية مطبقة، وتكافؤ فرص متحقق، ولذلك عندما انفرط البناء السياسي لدول عربية بعد سقوط الحاكم الفرد، رافقه تفكك البنية المجتمعية في أشكال انشطارية فكأنما الديكتاتور -طبقاً لمحمد سيد رصاص- لاصق عنيف لبنية غير اندماجية، بسقوطه، تفككت البنية المجتمعية وسقطت في حكم الفوضى والصراعات الدموية. إننا في حاجة اليوم إلى اعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية عبر تعزيز مفهوم المواطنة الجامعة لأبناء الوطن الواحد من غير أي تمييز في التشريعات أو المعاملة، وترجمته في مناهج التعليم ومؤسسات الإعلام والوظائف العامة والمناصب القيادية، ولا يجدي الحديث الكبير والكثير والأناشيد الوطنية عن المواطنة والوطنية، إذا كانت التشريعات تمايز بين مكونات المجتمع أو كانت معاملة الدولة تقوم على شيء من التمايز المذهبي أو القبلي، ولا تفيد الخطب الوطنية إذا كان الواقع المعاش متناقضاً مع تلك الخطب والشعارات والأناشيد. ويبقى من مفارقات الدولة العربية أنها إذا تقوت عسكرياً، تغولت على أبنائها وطمعت في أختها -عراق صدام- وإذا ضعفت طمع فيها أبناؤها -التنظيمات المسلحة-. هذه خلاصة ورقتي لمؤتمر «الكويت والأمن الإقليمي» كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت بالتعاون مع جامعة درهام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا