النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

رسالة إلى الشاعر أحمد مطر

رابط مختصر
العدد 9445 الثلاثاء 17 فبراير 2015 الموافق 28 ربيع الآخر 1436

الشعر وهو يتربع على عرش الادب يعطر النفوس بأريج المشاعر التي لَوَّنَتْها تعاركات الحياة بمباهجها ومآسيها، ومآسي المشاعر في لوحة الشاعر هي السائدة عربياً في هذا الزمان العربي الذي تخطت الخطوط الحمراء فيها للمآسي، وبالتوازي مع لوحة الشاعر يتناغم الرقص والغناء وهما قطبا الطرب والتّذوق الحسي والروحاني في فضاء الفن؛ الشعر والرقص والغناء كلها لوحات تعبيرية أصيلة نابعة من إرهاصات النفس لارسال رسائل إنسانية الى المحيط الاجتماعي بألوان وأشكال متعددة بتعدد أوجه الحياة. ومن قسمة الاقدار على الرقص والغناء، وخاصة في ثقافتنا العربية، أن يتربعا معاً على عرش الطرب، وبمنزلة أعلى للرقص على الغناء؛ ومن نكد الاقدار التي خطتها الاعراف والتقاليد هو النظرة الدونية من المجتمع على الرقص والغناء، ورغم أن فن الغناء أخذ موقعه من التقدير شيئاً فشيئاً، إلّا أنَّ الرقص عامة مازال يوضع على قائمة الخطايا، والرقص الشرقي يتبوب الصدارة في قائمة الخطيئة. وعندما نتحدث عن نظرة الخطيئة الى الرقص فإن المقصود، حسب العرف والتقاليد، هي الإنسانة الراقصة التي ترضى لنفسها، بعد أن اضطرتها ظروفها المعيشية، أن تتمايل بكامل جسمها وتتماوج أطرافها باطرافها في حركات متناسقة مع تموجات أنغام الموسيقى أمام جمع من الناس جلهم من الرجال. الرقص والراقصة والرجال والعيون الشاخصة، هذا التمازج بين الرقص والنظر وبين الراقصة والرجل هو الذي يدين الراقصة دون الرجل؛ وصدق الشاعر العراقي محمد صالح بحر العلوم، في قصيدته «أين حقي» والتي يصف فيها حالة الفتاة التي تتعدى مأساة حياتها من بيع الطاقة والمادة الى ما وراء استعراضات الرقص، عندما صرخ شعراً في وجه المجتمع موجهاً غضبه الى أعلى رمزية العدل فيه قائلاً: «وفتاة لم تجد غير غبار الريح سترا تخدم الحَيَّ ولا تملك من دنياه شبرا وتود الموت كي تملك بعد الموت قبرا وإذا الحفار فوق القبر يدعو: أين حقي؟ وما لهذه وسواها غير ميدان الدعارة لتبيع العرض في أرذل أسواق التجارة وإذا بالدِّين يرميها ثمانين حجارة وإذا القاضي وهو الجاني ويقضي: أين حقي؟». (وحالة هذه الفتاة المنكوبة أمَرُّ و اقسى، بما لا يقاس من معايير الالم، من تلك التي استطاعت أن تنفذ بجلدها الى بيع طاقة العمل في صناعة الرقص والترفيه الى حدود صون العرض). وهذه الراقصة، وهي أفضل حالاً تحت ظلمات بيع الطاقة، على مسارح الرقص شأنها شأن العامل في المصنع والفلاح في الحقل، إنها تنتمي الى الطبقة التي تعيش على بيع طاقة عملها، هذا مع الفارق النوعي لطبيعة العمل ومنتوج طاقة العمل الذي يتمايز عن العمل الانتاجي او الخدماتي الى العطاء الفني والترفيهي، وهي بهذا العطاء تبذل طاقتها ومهاراتها الفنية تحت إدارة مالكي وسائل الفن والترفيه وتأخذ أجرها مثل العامل والفلاح والخادم بينما صاحب العمل يأخذ فائض القيمة مما تجود به طاقة عملها؛ ومن الفنانات من استطاعت أن تتخطى الحاجز الطبقي الى مراتب الثراء، وهُنَّ القِلَّةُ القليلة التي قد يسعفها الحظ وقدراتها الاستثمارية في التحول الى مالكة وسائل الفن والترفيه، وهي في هذه الحالة تكون سيدة نفسها، لا جارية ولا محظية عند السلاطين والأمراء، ويكون حالها حال الطبقة المُسْتَغِلَّةِ المُرَفَّهَة، ولا تجرؤ الاقلام ولا الأفواه من النيل منها، لأنها عندها تكون مُحَصَّنَةً بنفوذ المال والوجاهة. أمّا الأكثرية الساحقة من أهل الفن والترفيه، ورغم اليسر النسبي للوضع المالي للبعض، تبقى في دائرة الطبقة التي تبيع طاقة عملها، وهي من نكد هذه الطبقة عليها تكون مشاعة للأقوال والأفواه، وتكون أداة للاستعارة الصريحة بالاسم وحتى بالصورة في الأدب عامة والشعر خاصة. ومن أبشع الاستعارات تعسفاً في حق الفنانة والراقصة خاصة هي زجها في الشعر السياسي الذي يهدف الى النيل من الأعداء السياسيين وخاصة القادة؛ هذا الشعر السياسي الذي يرمي الى فضح بعض الحكام، إِنْ بالعَلَمِ أو بالرَّمْزِ، الذين ترتد الاولويات عندهم الى متعة الذات على حساب المهمات المصيرية التي تمس الوطن أرضاً وشعباً. وليس من ضير في هذا الشعر، فقد صار هذا الشعر هو الشعر السائد في زماننا لضرورات اقتضتها طبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي تمر بها الشعوب العربية. ولكن عندما ينبري شاعر (تقدمي) بمقام الشاعر الكبير أحمد مطر ليعبر عن غضبه واستنكاره واستهجانه بالحاكم الذي فَضَّلَ جاريته (الراقصة) على سلطانه (العاصمة)، كان عليه أن يراعي عنصر الاستعارة، لأن الاستعارة الصريحة التي اعتمدها كانت استعارة بالاسم، وهكذا استعارة تكون تعسفية ظالمة بحق المُسْتَعار؛ فهو يعبر عن حالة كارثية تتهدد البلاد، تذكرنا بالصراع بين الأمين والمأمون في العهد العباسي؛ عندما كانت العاصمة آيلة الى السقوط في أيدي الغزاة كان الحاكم هَمُّهُ الجارية (او الخليل الحبيب)؛ وهو في هذا الشعر السياسي يرسم أدنى دناءات الفساد والضياع وخيانة الارض والشعب. فما هو هذا التعسف في الاستعارة في شعره عندما يصرخ جزعاً : «دخل الحاجب قصر الوالي .. على استحياء ! كان الوالي يرقص بين جواري القصر دون ثياب .. دون حياء !! قال الحاجب يا مولانا : قد سقطت صنعاء .. قال الوالي ببله واضح : ماذا !؟ هل سقطت هيفاء أحضروا كادرنا الطبي واستدعوا جميع الحكماء استدعوا فرق الإنقاذ واستدعوا جميع العلماء « ؟ تقول كتب النحو أن هناك نوعين من الاستعارة هما الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية، ونحن نرى أن هذا الشعر قد أضاف استعارة ثالثة هي الاستعارة الاسمية، والاستعارة الثالثة هذه لها خطوط حمراء لابد من رؤيتها حتى يمكن تفاديها وإلّا صارت الاستعارة ظالمة بحق المُسْتَعار (المشبه به). إنَّ «هيفاء» المُسْتَعارَةَ (المشبه بها بالاسم الصريح) في هذا الشعر تسترجع من خزينة الذاكرة المعاصرة عند القارئ «هيفاءَ» الاعلام والتلفاز وصالات الرقص والغناء (هيفاء وهبي)، ولا يمكن للقارئ أن يتخطى هذه الصورة العَلَمِيَّةِ الى استبصار رمزي، لان الاسم هو الاسم في الشخص والعلن، وهو رغم تعسف الاستعارة فيه، يعطي غرض الشعر مبتغاه. و بهذا التنبيه بين الغرض والمبتغى لا نريد للشعر أن ينزلق الى ميكيافيلية «الغاية تبرر الوسيلة» . كان أولى به أن يستعير اسم «شهرزاد»، سيدة ألف ليلة وليلة، أو ما توازن سجعاً من الأسماء العامة بدلاً من اسم «هيفاء»، الإنسانة المعاصرة المعروفة التي تشق دروب الحياة وتتحمل أعباءها لتَعِيْشَ وتُعِيْلَ أفراد اسرتها حالها حال أبناء طبقتها الاجتماعية؛ قد تكون مُسْتَغَلَّةً في عملها أو قد لا تكون، ولكنها حتماً لم تظلم أحداً ولم تَسْتَغِلَّ أحداً طبقياً، فليس من الانصاف ولا من آداب الأدب أن تُسْتَعارَ بالاسم في قصيدة سياسية وكأنها شريكة الحاكم في الفساد أو أنها بمكانة السبب في عِلَّةَ الفساد. ولأنَّ الشعرَ مِنَ المشاعر فإنَّ مِنْ أبدى آداب الشعر أن لا يَمَسَّ مشاعر الأبرياء بالظلم والأذى والعسفِ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا